الوان عربية » إسرائيل ويهود أميركا: شرخ يتعمق وعواقب وخيمة

إسرائيل ويهود أميركا: شرخ يتعمق وعواقب وخيمة

+ = -

إسرائيل ويهود أميركا: شرخ يتعمق وعواقب وخيمة

اتبعت حكومات بنيامين نتنياهو، التي شارك وما زال يشارك فيها أحزاب الحريديين التي تمثل التيار اليهودي الأرثوذكسي، سياسات ضد التيارين الإصلاحي والمحافظ، تتمثل بإقصائهم من الحيز الديني، سواء كان بأماكن يعتبرها اليهود مقدسة أو فيما يتعلق بالأحوال الشخصية.

وبالإمكان وصف هذه السياسة بأنها عنصرية ضد اليهود غير الأرثوذكس، وأدت إلى شرخ بين الجانبين، يبرز خصوصا بين إسرائيل واليهود الأميركيين، الذين يشكلون أكبر تجمع يهودي خارج إسرائيل. وبدأ هذا الشرخ يبرز على خلفية هذه السياسة الإسرائيلية، وأيضا بسبب عوامل أخرى أبرزها استمرار الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني وسن القوانين العنصرية في إسرائيل مثل “قانون القومية”، ما يدفع نحو حالة اغتراب متزايد تجاه إسرائيل لدى اليهود الأميركيين.

سعت اليهودية الأرثوذكسية إلى السيطرة على المجال الديني منذ تأسيس إسرائيل، بموجب تفاهمات بين الحريديين ورئيس حكومة إسرائيل الأول، دافيد بن غوريون، وهي تفاهمات تعرف باسم “الستاتيكو”، أي الوضع القائم الذي يتغير، ويشمل أيضا علاقة الدين والدولة. لكن في حزيران/يونيو العام 2017، صادقت اللجنة الوزارية للتشريع على قانون التهوّد الحكومي، الذي يمنح الحاخامية الرئيسية سيطرة حصرية على منظومة التهود في إسرائيل، ويمنع الاعتراف بعمليات تهود أجراها حاخامون إصلاحيون أو محافظون في إسرائيل. وفي موازاة ذلك، جمّدت الحكومة الإسرائيلية “خطة الحائط المبكى”، التي كانت تسمح للإصلاحيين والمحافظين بإقامة صلوات مختلطة للرجال والنساء في منطقة خاصة بهم في ساحة حائط البراق، إثر اعتراض الحريديين. وقد جرى هذا التجميد بعد عدة أيام من المصادقة على هذه الخطة.

ووفقا لدراسة نشرها “معهد أبحاث الأمن القومي” في جامعة تل أبيب، مؤخرا، وحذرت من عواقب الشرخ الذي يتعمق باستمرار بين إسرائيل ويهود أميركا، فإن عدد اليهود الأميركيين 5.3 مليون نسمة، ونسبة اليهود الأرثوذكس هناك بالكاد تصل إلى 10%، بينما نسبة الإصلاحيين تصل 35%، ونسبة المحافظين 18%، إضافة إلى 36% الذين لا يشعرون بالانتماء إلى أي تيار يهودي، ويتميزون بأنهم يحملون قيما ليبرالية. ويعتمد هذا التقدير الديمغرافي على تعريف بحثي تقليدي، مفاده أن اليهود الأميركيين يتألفون من مجموعتين: أولئك الذين يعرفون أنفسهم كيهود بموجب الشريعة اليهودية، ويبلغ عددهم 4.2 مليون نسمة؛ والمجموعة الثانية هم يهود من الناحيتين العلمانية والثقافية ولا يعرّفون أنفسهم كمنتمين للديانة اليهودية ولكنهم تربوا كيهود وأحد والديهم يهوديا، وعددهم 1.1 مليون.

وقالت الدراسة إن “هذا الشرخ الجديد – القديم يقوض شعور قسم كبير من يهود الولايات المتحدة بالتعاطف مع دولة إسرائيل، واستمرار الدعم السياسي والاقتصادي لها”. ورغم أن تفاهمات “الستاتيكو”، في العقود الماضية، لم تؤثر على العلاقات بين إسرائيل ويهود أميركا، “لكن ثمة مؤشرات تدل على أنه ربما تشكل التحولات السياسية التي طرأت في العام الأخير نقطة تحول في العلاقات بين الجانبين”، وفقا للدراسة. وهذه التحولات هي:

أولا، بعد أيام قليلة من إقرار قانون التهود الحكومي، جاء رؤساء لجنة الشؤون العامة الأميركية – الإسرائيلية (أيباك) بشكل طارئ إلى إسرائيل، والتقوا مع رئيس حكومتها، بنيامين نتنياهو، “من أجل توضيح التبعات الخطيرة للقانون بنظرهم”.

ثانيا: أفادت تقارير أرسلها دبلوماسيون إسرائيليون في الولايات المتحدة بأنه منذ تجميد “خطة الحائط المبكى” وصلت توجهات كثيرة للغاية إلى القنصليات الإسرائيلية من جانب جاليات يهودية، وحتى أن وزارة الخارجية الإسرائيلية أوعزت للقناصل بالاستعداد لإمكانية تصعيد على شكل مظاهرات يهود خارج القنصليات.

ثالثا، نُشرت في وسائل الإعلام الأميركية، في الاشهر الأخيرة، تصريحات كثيرة ليهود أميركيين يعبرون عن نيتهم التوقف عن التبرع لإسرائيل.

رابعا، أعلن مدير عام الرابطة اليهودية في شيكاغو أن أعضاء الكنيست الذين أيدوا قانون التهود ليس مرحبا بهم في شيكاغو.

أفول متواصل بتأييد إسرائيل مقابل ارتفاع التأييد للفلسطينيين

قالت الدراسة إن لاستفحال هذا الشرخ عاقبتين مركزيتين بالنسبة لإسرائيل، في مستويي الهوية والإستراتيجي: على مستوى الهوية، شرخ مع قسم كبير من يهود أميركا، الذين يشكلون ثُلث يهود العالم، من شأنه أن يثير أسئلة ثاقبة حيال قدرة إسرائيل أن تشكل عاملا موحدا لليهود وبيتا قوميا. أما على المستوى الإستراتيجي، فإنه بسبب حقيقة أن العلاقات الثنائية بين إسرائيل والولايات المتحدة تعتمد وتتأثر من طبيعة العلاقة بينها وبين يهود أميركا، فإنه من شأن هذا الشرخ أن يمس بعلاقات إسرائيل مع الولايات المتحدة، حليفتها الأكثر أهمية وإستراتيجية. وينبع ذلك من أن هذا الشرخ من شأنه المس بحافزية يهود أميركا على أن يستخدموا تأثيرهم من أجل ممارسة ضغط على الإدارة الأميركية لمواصلة تقديم المساعدات لإسرائيل في المجالات المختلفة.

ولفتت الدراسة إلى دعامتين أخرتين للعلاقات الأميركية – الإسرائيلية: الأولى تتعلق بالمصالح الإستراتيجية المشتركة للدولتين، لكن “المصالح الأميركية قد تتغير في المستقبل، وفقا للواقع الميداني والتحولات السياسية”. والدعامة الثانية هي أن العلاقة بين الدولتين تعتمد على شعور بوجود “تشابه بين الشعبين يستند إلى الإيمان بقيم مشتركة، وفي مقدمتها قيم ليبرالية مثل حرية الفرد والسوق الحرة. لكن سن قانون التهود وتجميد خطة الحائط المبكى وخطوات محافظة أخرى جرت مؤخرا في إسرائيل، إلى جانب محاولات جهات داعمة للفلسطينيين لاستمالة الرأي العام الأميركي، من شأنها أن تمس بمشاعر التعاطف”. ونفت الدراسة تأثير المسيحيين الإنجيليين الأميركيين المتطرفين، مشيرة إلى أن دراسات مختلفة صدرت لفتت إلى أن هذه الفئة في مرحلة أفول دراماتيكي.

وتشير الأبحاث الصادرة مؤخرا وتناولت العلاقات بين إسرائيل ويهود أميركا، إلى تراجع التأييد لإسرائيل في صفوف الشبان اليهود في الجامعات والكليات الأميركية، بسبب الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني، من 84% في العام 2010 إلى 57% في العام 2016. وفي الوقت نفسه، ارتفع التأييد للفلسطينيين بين هؤلاء الطلاب من 2% في العام 2010 إلى 13% في العام 2016. كذلك فإن 95% من هؤلاء الطلاب اليهود عبروا عن رأي إيجابي تجاه إسرائيل في العام 2010، لكن هذه النسبة تراجعت إلى 82% في العام 2016. وقالت أغلبية ساحقة من هؤلاء الطلاب إن إسرائيل مخطئة بانتهاكها لحقوق الإنسان.

وعددت دراسة “معهد أبحاث الأمن القومي” تراجع تأييد الشبان اليهود لإسرائيل بالأسباب التالية: أولا، ابتعاد جيل الشباب الحالي عن فترات المحرقة وحرب العام 1967 وصورة إسرائيل “الإيجابية”، كما “ابتعدوا عن فكرة أن دولة إسرائيل يجب أن تبقى قائمة، في حال احتاج اليهود إلى ملاذ مرة أخرى. ويرون أنفسهم أميركيون أولا وليس يهودا، كما أنهم متأثرون جدا بالانتقادات الدولية السلبية الموجهة لإسرائيل”؛ ثانيا، ارتفاع عدد المسلمين في الجامعات الأميركية “ما أدى إلى اتساع النشاط ضد الطلاب اليهود، الذين يعتبرون موالين لإسرائيل والصهيونية”، إضافة إلى تزايد أصوات المحاضرين المعارضين للسياسة الخارجية الأميركية، وبضمنها الدعم لإسرائيل. كذلك فإن هناك منظمات يهودية أميركية تنشط في إطار حركة مقاطعة إسرائيل (BDS)؛ ثالثا، ارتفاع نسبة الشبان اليهود الأميركيين من زواج مختلط، ووفقا لاستطلاع معهد “بيو” فإنه يتوقع ارتفاع نسبتهم، إذ أن أزواج/زوجات 58% من اليهود الأميركيين ليسوا يهودا. إضافة إلى ما تقدم، فإن لإقصاء التيارين المحافظ والإصلاحي من إسرائيل ورفض التيار الأرثوذكسي المهيمن في إسرائيل الأعتراف بيهوديتهم تأثير بالغ على الموقف السلبي للشبان اليهودي الأميركيين تجاه إسرائيل.

تبعات سياسية وأمنية

توقعت الدراسة أن تتأثر إسرائيل من هذا الاغتراب لدى يهود أميركا بتراجع حجم تبرعاتهم لها ولمنظمات إسرائيلية، بعد أن كان إسهام هذه التبرعات هائل في تأسيس إسرائيل وبنائها، خاصة في سنواتها الأولى. كذلك توقعت الدراسة أن يؤثر هذا الشرخ على حجم الصادرات الإسرائيلية للولايات المتحدة، وهي ثاني أكبر مستورد للبضائع الإسرائيلية بعد الاتحاد الأوروبي. إذ تشير المعطيات إلى أنه كلما كان عدد اليهود أعلى في ولاية معينة، فإن استيراد بضائع إسرائيلية لهذه الولاية يكون أكبر. وعللت الدراسة ذلك بأنه نابع من منطلقات أيديولوجية لدى اليهود الأميركيين لشراء بضائع إسرائيلية، رغم ارتفاع سعرها قياسا بالبضائع المحلية. لكن الدراسة توقعت تقليص هذا الاستيراد لأسباب أيديولوجية أيضا “وستؤدي إلى فقدان دخل بمليارات الدولارات للاقتصاد الإسرائيلي”. كما أن هذا الشرخ سيؤثر على فرع السياحة في إسرائيل.

إلى جانب ذلك، توقعت الدراسة أن يكون للشرخ بين إسرائيل ويهود أميركا عواقب أخرى يتم التعبير عنها من خلال الدعم السياسي والأمني الذي تمنحه الولايات المتحدة لإسرائيل. “هذه التبعات قد تنبع من تراجع في حافزية قسم كبير من يهود الولايات المتحدة على ممارسة تأثيرهم المحلي بهدف ممارسة ضغط على الإدارة الأميركية كي تواصل مساعدة إسرائيل”. ويشار إلى أن المساعدات الأمنية الأميركية لإسرائيل تصل إلى أكثر من 14 مليار دولار سنويا وتشكل 16% من ميزانية الأمن الإسرائيلية.

وحذرت الدراسة من أن استمرار تعمق هذا الشرخ قد يؤدي إلى عدم تجديد اتفاقية المساعدات الأمنية السنوية، بشكل “يؤثر بصور مباشرة وفورية وسلبية على التزام الولايات المتحدة بالحفاظ على التفوق العسكري النوعي لإسرائيل على جاراتها بعدم تزوديها (أي تزويد الدول العربية) بمنظومات أسلحة أكثر تطورا، خاصة على ضوء مطالب دول الخليج والسعودية بالحصول على منظومات متطورة في أعقاب التسلح الإيراني”.

يهود أميركا و”قانون القومية”
قالت دراسة أخرى صادرة عن “معهد أبحاث الأمن القومي” وتركز على أضرار “قانون القومية” العنصري، الذي سنه الكنيست، في 19 تموز/يوليو الفائت، إن “قانون القومية وخطوات أخرى، وخاصة تلك التي جاءت ضد منظمات المجتمع المدني، توسع الشرخ بين دولة إسرائيل ويهود الولايات المتحدة، الليبراليين بغالبيتهم… مثل هذه الخطوات ستستخدم كذخيرة ثمينة بأيدي من يحاول مناكفة إسرائيل وقضم مكانتها الدولية، مثل نشطاء BDS وغيرهم”.

ووصف محلل الشؤون الأميركية في صحيفة “هآرتس”، حيمي شاليف، تأثير “قانون القومية” على الشرخ بين إسرائيل ويهود أميركا بأنه “بمثابة خنجر مسمم في قلبهم… وأصبحت قدرة تظاهر يهود أميركا بأن كل شيء حسن في إسرائيل أكبر من طاقتهم على التحمل. وبالنسبة لهؤلاء الذين غضبوا ولم يتخلوا عن إسرائيل على الرغم من كسر اتفاقية الحائط المبكى، ورفض الاعتراف بالإصلاحيين والمحافظين، والتنكر لأوباما، فإن استمرار الاحتلال وغياب عملية سلام، إضافة إلى القوانين المعادية للديمقراطية التي صادق عليها هذا الكنيست القاتل خلال ولايتها الرهيبة، فإن قانون القومية قد يتبين أنه القشة التي قسمت ظهر البعير، والمسمار الأخير في النعش”.

وأفاد مراسل صحيفة “معاريف” في نيويورك، شلومو شمير، بأن المصادقة على “قانون القومية” تسبب بموجة ردود فعل غاضبة بين زعماء المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة. ونددت بالقانون “الرابطة ضد التحريض”، أبرز المنظمات اليهودية، وقالت في بيان إن “القانون يتضمن عناصر يمكن أن تؤثر على مكانة مواطني إسرائيل غير اليهود، خاصة العرب الإسرائيليين، والتأثير أيضا على العلاقات مع الشتات اليهودي”.

ونشرت منظمات يهودية أميركية بيانات في الصحف الأميركية وهاجمت فيها “قانون القومية”. وقال بيان للجنة اليهودية الأميركية (AJC) إنه “خائب الأمل من أن الكنيست الإسرائيلي، بتأييد نشط من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، صادق على قانون القومية”.

وندد البيان خصوصا ببنود القانون التي تمس بمكانة المواطنين العرب وتفضيل البناء الاستيطاني لليهود فقط. ورأى حاخام كنيس للإصلاحيين في منهاتن، عامي هيرش، أنه “من الناحية التاريخية، قد يظهر قانون القومية أنه الأخطر والمصيري في مجال العلاقات بين الجالية (اليهودية الأميركية) وإسرائيل”.

الوسم


التعليقات مغلقة.
استطلاع

هل تتم التهدئة ما بين اسرائيل وحركة حماس؟

View Results

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
اعلان
ايقونة الصمود والتحدي الفلسطينية عهد التميمي