أحدث الأخبار

زيف القانون الدستوري للكولونيالية الإسرائيلية/ ماجد الشّيخ

+ = -

زيف القانون الدستوري للكولونيالية الإسرائيلية

ماجد الشّيخ

ماجد الشّيخ

بدستور أو من غير دستور، لا يمكن لإسرائيل الكيان الكولونيالي بطابعه العنصري الفاقع، أن تتحول إلى كيان شرعي، طبيعي، أو دولة قومية لمواطنيها، إذ أن عناصرها المكونة لا ترقى إلى سوية شعب موحد وطبيعي نشأ في أرض واحدة، أو أن اجتماعه البشري يتكتل حول عناصر التبلور القومي، مثل بقية الشعوب والأمم؛ وفي هذه الحالة فالدين – أي دين – لا يمكنه وليس خليقا بأن يكون البديل لمجموع عناصر التكون القومية وصولا إلى الدولة/الأمة؛

فكيف تكون إسرائيل دولة قومية لمواطنيها – مجموع سكانها – وهي التي ارادت وتريد مؤسستها الكولونيالية الحاكمة من تعريفها كونها “الدولة القومية للشعب اليهودي” أن تتجاوز الكثير من عقبات وموانع التناقضات ومعوقات استكمال بناها القاصرة عن بلوغ سوية الدولة، واكتمال عناصرها القومية التي ستبقى تجد ذاتها على النقيض من كونها عنصر التوحيد لأشتات من شعوب لا يجمعها وقد لا يجمعها دين اليهودية غير الموحد أصلا؛ على ما كانه أسباطها في بدايات التأسيس، واستمر على مدى أكثر من ثلاثة آلاف عام، تقلب الدين عبرها مع تقلبات وانقلابات المصالح، وارتدى براقع عديدة توافقت مع قوى النفوذ الإمبريالية التي كانت سائدة في العالم القديم، وصولا إلى وقتنا الحاضر.

واليوم حين تقر المؤسسة الكولونيالية الإسرائيلية ما يسمى “قانون القومية”، إنما لتؤكد مرة جديدة أن الصهيونية هي التجسيد العملي للعنصرية، وقد كانت التمهيد الفعلي للتطهير العرقي، الذي قاد إلى النكبة وإعلان جرائم حرب على كامل الوجود الفلسطيني بكل مكوناته: الشعب، والأرض، واللغة، والهوية، والحقوق التاريخية.

وتأتي هذه الخطوة في وقت تتطابق فيه رؤى اليمين المتطرف العنصري والشعبوي في إسرائيل والولايات المتحدة، ما بات يخشى معه من تحويل الصراع إلى صراع ديني، تختلط فيه أوراق كثيرة بينها ما لا علاقة للصراع الحقيقي مع ما يجري من إثارة نزعات فاشية جديدة، تنذر بتطهير عرقي أو ديموغرافي ينفذ بالتدريج ليس في فلسطين، بل وفي عدد من دول الجوار.

على هذه الخلفية، أقر الكنيست فجر يوم الخميس 19 تموز/ يوليو 2018 بالقراءة النهائية، مشروع قانون ما يسمى “إسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي”. بأغلبية 62 نائبا من جميع كتل الائتلاف، ومعارضة 55 نائبا، بينهم 53 نائبا من كتل المعارضة الأربع، ونائبين من الائتلاف، وامتنع عن التصويت نائبان: نائب من الائتلاف، ونائبة من المعارضة. في حين وصفته القائمة العربية المشتركة في بيان لها بأنه من أخطر القوانين، وبأنه قانون كولونيالي، عنصري الطابع والمضمون، ويحمل خصائص الابرتهايد المعروفة.

ووفق المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار)، كان القانون قد دخل مسار التشريع، بإقراره بالقراءة التمهيدية يوم 10 أيار/ مايو 2017، وسعى في حينه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، للإسراع في تشريعه، إلا أن تعقيدات في النص الأول، من ناحية كتل في الائتلاف، بحسب تيارات دينية، وأخرى سياسية، عرقلت تقدم القانون، الذي أقر بالقراءة الأولى، يوم الاثنين 30 نيسان/ أبريل 2018. ويومها قال عدد من نواب الائتلاف، إن القانون لن يتم التقدم به، بمعنى عدم اقراره نهائيا، في الولاية البرلمانية الحالية. وكان هذا بالأساس من نواب المتدينين المتزمتين “الحريديم”، إلا أن نتنياهو واصل ضغطه، مهددا بحل الائتلاف الحاكم والتوجه إلى انتخابات مبكرة، ونجحت الضغوط بعرض القانون والتصويت عليه بالقراءة النهائية، بعد أن جرت عليه تغييرات عديدة.

وشهد القانون لدى اعداده للقراءة النهائية في اللجنة الخاصة، تعديلات من بينها ما هدف إلى محاولة التخفيف من الخلافات في صفوف الائتلاف، وتعديلات أخرى، في محاولة للتخفيف من الانتقادات التي وجهت لمشروع القانون، حتى من داخل معسكر اليمين المتشدد.

ففي البند الأول، الذي يتحدث عما يسمى “حق تقرير المصير للشعب اليهودي”، تم إضافة “الديني” إلى جانب الثقافي والتاريخي. وفي البند الثالث عن “العاصمة”، وبعد أن أضيف إلى القدس كلمة “الموحدة” لدى التصويت عليه بالقراءة الأولى، فقد أضيفت لدى القراءة النهائية كلمة “الكاملة” لتصبح “القدس الكاملة والموحدة”.

وفي البند الرابع في موضوع اللغة، فقد اعترضت أوساط إسرائيلية، على قرار رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو شطب أي ذكر للغة العربية في القانون، خلافا لما كان حتى التصويت عليه بالقراءة الأولى، التي جاء فيها أن للغة العربية “مكانة خاصة تقر بقانون”. وقد أعيد البند إلى القانون، ولكن بعد أن تم شطب عبارة: “للناطقين بها الحق في التواصل اللغوي مع خدمات الدولة”. ولكن في نص القانون النهائي، جاء، “أن النص الوارد ليس فيه ما يمس بمكانة اللغة، التي كانت عليها حتى عشية سن هذا القانون”.

عموما فإن كل التعديلات التي أجريت على نص القانون، وإذ لم تغير من استهدافاته المتضمنة في نصوصه، أو حتى تلك المضمرة، فهي ما لن تغير اطلاقا في واقع الحال ميدانيا، من الناحية العنصرية في مجال الإسكان، وإقامة البلدات. إذ أن الكنيست كان قد أقر في العام 2007، قانون عُرف بتسمية “لجان القبول”، وهو يجيز لبلدات يهودية ذات تعداد سكاني بالمئات، أن تقيم لجان قبول للبحث في طلبات سكن في هذه البلدات، وأن من “حق” اللجان أن ترفض من لا يلائم طبيعة البلدة من ناحية فكرية وثقافية. ومن المفارقة، أن الضحية الأولى لهذا القانون، كانت عائلة من اليهود الشرقيين، طلبت السكن في احدى بلدات الجنوب.

وعند ظهور نتيجة التصويت، وقف كامل نواب “القائمة المشتركة” الـ 13 هاتفين “دولة الأبرتهايد”، ومزقوا نسخ القانون في الهيئة العامة، وتم اخراجهم جميعا من القاعة. بعد ذلك ذهب رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، من على منصة الكنيست، إلى ترديد مزاعمه المتهافتة، كزعمه إن هذه لحظة مؤسِسِة في تاريخ الصهيونية، وتاريخ دولة إسرائيل. فبعد 122 عاما بعد أن نشر هيرتزل حلمه، ثبّتنا بقانون، المبدأ الأساس لوجودنا، إسرائيل هي الدولة القومية للشعب اليهودي، التي تحترم حقوق الفرد، لكل مواطنيها (هل يعتبر الفلسطينيون العرب من هؤلاء المواطنين؟). وفي الشرق الأوسط، فقط إسرائيل تحترم هذه الحقوق (وهذا ليس صحيحا بالمطلق). وحينما أتحدث في العالم، فأنا أكرر قائلا، إن هذه دولتنا، دولة اليهود (كولونيالية لا يقف في صفها اليهود بالمطلق أيضا). وفي السنوات الأخيرة هناك من يسعى إلى الاعتراض على هذا، وبهذا الاعتراض على ما يمس أساس وجودنا (هذا الأساس باطل وعرضة للجدل وللنفي). ولهذا شرّعنا في هذا القانون، النشيد الوطني، ولغتنا وعلمنا، فلتحيا دولة إسرائيل”.

“قانون القومية” هذا ليس فريدا في سياق إبراز الكولونيالية الإسرائيلية بشكل واضح، فهو قانون مكمل لمجموعة من القوانين التي شرعتها الكنيست في الآونة الأخيرة ومنها: القانون الذي يلغي صلاحية “المحكمة العليا” الإسرائيلية في النظر في الالتماسات الفلسطينية، حيث تم تعديل “قانون محاكم الشؤون الإدارية” بطريقة تجعل الالتماسات المقدمة من المستوطنين، وكذلك الفلسطينيين على حد سواء، تصل “المحكمة المركزية” الإسرائيلية في القدس، في خطوة تهدف إلى ضم الضفة الغربية ومواصلة الاستيطان.

وكانت سلطة الاحتلال الكولونيالي قد اقرت منذ نكبة فلسطين في العام 1948 عشرات القوانين العنصرية، بدءاً بـ “قانون أملاك الغائبين” مرورا بقانون تشريع الاستيطان ومصادرة الأراضي وممتلكات اللاجئين، وتهويد القدس، وصولا الى قانون يحرم الفلسطينيين من إحياء ذكرى نكبتهم، وقانون “قسم الولاء لإسرائيل” وليهودية الدولة لأي شخص يحمل الهوية الإسرائيلية.

وها هي إسرائيل اليوم تتوج قوانينها العنصرية، بـ “قانون القومية” الهادف لترسيخ يهودية الدولة، واسقاط حق العودة من خلال حرمان ما يقارب ستة ملايين لاجئ فلسطيني من العودة الى ديارهم التي هجروا منها عام ١٩٤٨، طبقا للقرار الاممي ١٩٤، وتمرير مخططاتها في تهويد القدس العاصمة الأبدية لدولة فلسطين، كما وتهويد الجليل والنقب والمثلث وكافة الاحياء العربية داخل الاراضي المحتلة عام 1948، وتفريغها ديموغرافياً من أصحابها الفلسطينيين، واستبدالهم بالمهاجرين اليهود القادمين من شتى انحاء العالم.

أخيرا نخلص إلى أن مشكلتنا الأساس والرئيسة مع إسرائيل، كيانا كولونياليا مسنودا من كولونياليات العالم، ليس وحيدا في رؤيته لذاته، وصراعنا معه ومع من يباريه كظله على صعيد إقليمي ودولي، ولكنها تكمن على ما يبدو في ذاتنا، وفي وعي مبتسر ومشوه من جانبنا، بات ينحاز لرؤية زبائنية للمصالح الشخصية والذاتية، وبما يتجاوز أي رؤية للتاريخ، وبالتالي فإن انعدام تلك الرؤية، كان نتاجا ليس لقصور في الوعي، بقدر ما كان نتاجا لاضمحلاله واقتصاره لجهة الخيارات الممكنة، على نحو ما رأينا في تكتيكات المساومة والتفاوض التي أوصلتنا إلى العدم، فيما العدو يواصل تثبيت وجوده من العدم الذي أولي عناية خاصة، وهو ينمو ويتطحلب على سرديات الخرافة التوراتية، وما واكبها من سرديات موازية، منها “الواقعية جدا” إلى حد الاستسلام للأمر الواقع، ومحاولة فرضه فرضا كي تصير فلسطين هي إسرائيل. وهنا هي المفارقة المستحيلة؛ استحالة أن تتخلى الأرض عن هويتها ولغتها وانتمائها.

الوسم


التعليقات مغلقة.
اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°