الوان عربية » العلمانية بين النظرية والتطبيق في عالمنا العربي/ د.عدنان عويّد

العلمانية بين النظرية والتطبيق في عالمنا العربي/ د.عدنان عويّد

+ = -

العلمانية بين النظرية والتطبيق في عالمنا العربي

د. عدنان عويّدِ

د.عدنان عويّد

قبل أن نبين دلالات هذا العنوان دعونا نتعرف على العلمانية اًولا حتى نستطيع أن نبين كيف يظهر الزيغ عند دعاتها وحملتها السياسيين في عالمنا العربي, أو بتعبير أدق في أنظمتنا التي تدعي أيديولوجيات أحزابها, ومضامين دساتير دولها, تبني العلمانية, والديمقراطية, ودولة القانون, والمواطنة, وحرية الرأي والرأي الآخر, وحرية الإعلام, وتداول السلطة.

إن العلمانية في سياقها العام, هي نظام حياة مدنية, يعتبر فيها الإنسان (الفرد والمجتمع) سيد نفسه في اختيار طريق ونظام حياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية, وفقاً لعقد اجتماعي يقوم أفراده وحدهم بتحدد طبيعته وشكله وآلية عمله, وإذا كانت الثقافة هي جوهر مشاكلنا وقضايانا الإنسانية, كونها تتضمن الوعي أو المعرفة التي على أساسها يتم تحديد طبيعة هذا العقد الاجتماعي وما ينتج عنه من مؤسسات لإدارة الدولة والمجتمع, بغية تحقيق أكبر قدر ممكن من العدالة والمساواة بين أفراد المجتمع, فإن العامل المعرفي أو الفلسفي في العلمانية يقرر في نهاية المطاف دور الفرد والمجتمع في تحديد الموقف الفكري والعملي الذي تقوم عليه العلماني, وهو الموقف الذي ينطلق من أن لا وجود مقدس للأفراد والأشياء في هذه الحياة التي تقوم حركتها وتطورها وتبدلها على جملة من القوانين الموضوعية والذاتية التي لا حدود لها, وهي التي تتحكم في واقع حياة الإنسان ونشاطه المادي والروحي معاً, وبالتالي على الإنسان أن يعمل دائماً من أجل كتشاف هذه القوانين والتحكم فيها وتسخيرها لمصلحته.

إذن العلمانية تدعوا الإنسان أن يتحكم في قدره ومصيره, وأنه هو سيد نفسه, ولديه عقل حر وإرادة حرة كل الحرية في اختيار
طريقة حياته بكل مكوناتها ومستقبلها وعدالتها. ففي العلمانية لا وصاية لأحد على الدولة والمجتمع, ولا تَحَكْم للفكر المثالي القائم على العواطف والارتجال والذاتية والوعظ والغيبية في حياة الإنسان, وكل من يعمل على سلب الإنسان إرادته وتغييب عقله هو عدو للإنسان ويعمل على تغريبه وتشيئيه.

من هذه المنطلقات الفكرية/ الفلسفية للعلمانية, يأتي موقف العلمانية من الدولة قبل أي شيء آخر كونها الأداة الأكثر فعالية في حياة الفرد والمجتمع.

ففي الدولة تتجلى العلمانية بأبهى صورها من حيث سيادة المؤسسات والقانون والمواطنة, أو وحدة المجتمع. ففي الدولة تظهر العلمانية في مسارات الحرية والعدالة والمساواة واحترام الرأي والرأي الآخر وحرية المرأة. في الدولة تظهر العلمانية كتجسيد للحقوق الطبيعية التي يتمتع بها الإنسان عبر الممارسة, وفي مقدمة هذه الحقوق, حق الحياة والملكية والتعبير والمشاركة في بناء وقيادة الدولة والمجتمع وتنمية أبعادهما الإنسانية, وتخليص الإنسان من عوامل غربته واستلابه وتشيئه. وفي الدولة تحقق العلمانية أبهى صورها عندما يقوم الشعب في تحديد طبيعة نظام حكمه, وشكله, وأنه هو وحده مصدر السلطات, ولا وصاية عليه تحت أي مسميات أخرى. وفي الدولة العلمانية تتجلى الديمقراطية الحقيقية في أبهى صورها أيضاً كوجه آخر للعلماني, ففي الديمقراطية تتم المشاركة الشعبية بوعي ومسؤولية, وبالتالي ستقف حائلاً أمام من يحاول أن يستغل هذه الديمقراطية لتفجير مراجع تقليدية عشائرية أوقبلية أوطائفية بإسم الحرية, كما أنها ستجرد القوى المستبدة من استغلال فكرة العلمانية من أجل خلق تسويات في اختيار قيادات الدولة أو الحزب وفقاً لتلك المرجعيات التقليدية, أو وفقاً لمصالح وخدمة القوى الحاكمة, من باب الوصاية على الدولة والمجتمع, وبالتالي تحطيم أهم أساس من أسس العلمانية وهي المواطنة ودولة القانون.

أما في المجتمع, فتتجلى العلمانية هنا في تأكيد مسألة المواطنة أولاً وأخيراً, على اعتبار المواطنة هي من يفرض المساوة وتكافؤ الفرص بين الناس بعيداً عن المرجعيات التقليدية, إثنية كانت أو قبيلة أو طائفية أو حزبية,. وبالتالي لا يعود هناك مجال لأية سلطات, أو زعامات تقليدية تتحكم بالمجتمع وآلية عمله خارج إرادة الشعب والعقد الاجتماعي الذي تتفق عليه مكونات المجتمع.
إن العلمانية تحقق هنا وحدة الانتماء للمجتمع والدولة والوطن, وهذا ما يساهم بالضرورة في استمرار التصدي لكل من يعمل على فرض انتسابات جزئية على حساب الانتساب للوطن, حتى يبقى الوطن متماسكاً, قوياً, ومستقراً, ولا مجال لأي قوة أخرى من الداخل أو الخارج أن تخترقه.

موقف العلمانية من الدين.
لقد بينا في بدء حديثنا أهمية المسألة الثقافية/الفكرية بالنسبة لدلالات وطبيعة العلمانية وآلية عملها وعلاقاتها بالدولة والمجتمع. ونحب هنا أن نبين وفقاً للموقف المعرفي ذاته من العلمانية لنقول : إن العلمانية أساساً مشتقة من العالم أو من العلم, وكلا المرجعيتين مصدرهما واحد هو الواقع وقوانينه المستقلة في وجودها وحركتها وتطورها عن أية قوى أخرى. فالدين وفقاً لهذا الموقف العقلاني من قوانين الواقع الموضوعية التي تتحكم بالظواهر, يفقد وجوده كقوة وحيدة في تحديد مسار الإنسان. أي اعتبار النص المقدس بكل أشكاله (القرآن والحديث) وحتى أراء وأفكار الفقهاء والمتكلمين في عهد الرسول والقرون الهجرية الثلاثة الأولى, هي من تحدد الوجود المادي والمعرفي لكل ما هو تالٍ. أي هي المراجع التشريعية والتفسيرية والتأويلية الوحيدة لضبط حياة الإنسان, كونها مراجع مقدسة صالحة لكل زمان ومكان. فالدين في المحصلة في منظور العلمانية, هو عقيدة إيمانية وقيم أخلاقية وتشريع لمعاملات أو أحوال شخصية محددة بنصوص مقدسة تجاوز بعضها الزمن وأضاف إليها تطور الحياة آلاف مؤلفة من القضايا والأحوال الحياتية التي لم توجد أثناء حياة الرسول, أو القرون الهجرية الثلاث الأولى أو حتى كل القرون التي تلت القرون الثلاث الأولى حتى سقوط الخلافة الإسلامية على يد كمال أتاتورك.

إن العلمانية تؤكد كما بينا أعلاه على احترام الرأي والرأي الآخر طالما هو لا يضر بالفرد والمجتمع, ولا يحجر على حياتهما ويفرض عليهما دائما ضرورة هيكلة نفسيها وفقاً لقيم تجاوزها الزمن حتى ولو كانت تحت ذريعة المقدس, فهي – أي العلماني – في أبسط صورها في هذا الاتجاه تقف هنا ضد تدخل الدين في السياسة, على اعتبار أن الدين سيتحول هنا إلى أيديولوجيا مغلقة تعمل على لي عنق الواقع دائماً كي ينسجم معها من جهة, ومن جهة أخرى, هو قيم أخلاقية معيارية, وقيم عقيدية إيمانية تقوم على التسليم والتصديق, بينما السياسة تقوم على المصالح, والمصالح ليست عقيدة, ولا هي ثابتة في حدودها وطبيعتها, كون الإنسان في طبيعته مركب حاجات ليس لها حدود, وهذه الحاجات في المحصلة مصالح مادية أو معنوية. إن الدين عقيدة وأخلاق ثابته, والسياسة مصالح متحركة. لذلك جاءت العلمانية لتقول الدين لله والوطن للجميع, هذا دون النيل من عقيدة المؤمن والوقوف ضد ممارسته طقوسه الدينية طالما هي لا تضر وحدة المجتمع وتسيئ للمواطنة..

العلمانية وشهوة السلطة:
إن معظم الأنظمة العلمانية وأحزابها التي استلمت زمام الحكم في عالمنا العربي, تتضمن دساتيرها معظم مفردات ما جئنا إليه في عرضنا السابق بالنسبة لمضمون العلمانية وأهدافها. حيث تضمنت هذه الدساتير تبني دولة القانون أو المؤسسات, والمواطنة, وتداول السلطة, وحرية الصحافة, والتعددية الحزبية, واحترام الرأي والرأي الآخر, وتحرير المرأة, واحترام العقائد, والديمقراطية. بينما هي في التطبيق العملي بعيدة كل البعد عما تتضمنه وتتبناه هذه
الدساتير وهذه الأيديولوجيات الحزبية من قيم علمانية, عدا ما يخدمها في دعم سلطتها المستدامة من هذه القيم كي تستخدمها سلاحاً ضد كل من يحاول انتقادها أو النيل من سلطتها أو أيديولوجيتها.

إذن العلمانية بالنسبة لهذه الأنظمة السياسية التي تدعي العلمانية ليست أكثر من دعاية أو واجهة دستورية لهذه الأنظمة, بينما في الواقع هي أنظمة شمولية شعبويّة, تسعى بكل الوسائل المتاحة لديها المادية والمعنوية من أجل الحفاظ على السلطة وفي مقدمة هذه الوسائل, وسيلة الدين المُفسر والمُؤول حسب مصالحها. فهذه الأنظمة الشمولية تمارس كثيراً النفاق للدين والتاريخ والتراث, متكئة في ذلك على بعض رجال الدين من التيار السلفي المدخلي الذي وهب نفسه لخدمة السلطة والدفاع عنها واعتبار وجودها أمراً مشروعاً مقدراً من قبل الله, وبالتالي فأي خروج على الحاكم أو دولته هو خروج عن إرادة الله من جهة, ومدعاة للفتنة ودفع البلاد إلى الفوضى من جهة ثانية. وعلى هذا الأساس تأخذ هذه الأنظمة القروسطية في جوهر حكمها, من العلمانية والدين معاً لبوساً أو قناعاً لمواجهة أعدائها أو منتقديها من علمانيين أو غير علمانيين. أما النتيجة من كل ذلك, فإن هذه الأنظمة في سياستها التلفيقية هذه, أو حتى الانتهازية للدين والعلمانية, سوف لن تجد في المحصلة وعند أي هزة تتعرض لها من يقف معها ويساندها, لا من اليمين المتدين الذي اتكأت عليه والمشبع أصلاً بالفكر السلفي القائم على عقيدة الفرقة الناجية وتكفير الآخر وتحريض المتدينين على كل ما له علاقة بالعلمانية والعقل, تحت ذريعة ابتعاد الدولة عن تطبيق القيم الدينية, وسكوتها عن محاربتها الفساد المنتشر أو المستشري بشكل مباشر غير مباشر في الدولة والمجتمع بسبب تبني العلمانية (المشوهة) التي تمارسها الدولة الشمولية. ولا من العلمانيين الذين يتفقون في الرؤية والرغبة في التطبيق لمفاهيم العلمانية التي تقرها
أيديولوجيات أحزاب السلطة أو دساتير الدولة. وهنا يحس المواطن المتلقي لهذه التعاليم الدينية والعلمانية في هذه الدولة الشمولية بتلك الفجوة الواسعة بين ما يقال له عبر مشايخه, عن فساد وضياع الفضيلة في الدولة العلمانية, وبين ما تعطيه الدولة أو تقدمه للفرد والمجتمع عبر مدارسها وجامعاتها وإعلامها من مفاهيم وقيم وضعية ليس لها علاقة بما يقوله رجل الدين.

هكذا إذن يتبين لنا كيف تضيع العلمانية بين العقيدة ممثلة بالتيار الديني السياسي السلفي المدخلي المؤيد للسلطة في الشكل, والمعادي لها في الجوهر, كونها سلطات علمانية تريد فصل الدين عن الدولة, وبالتالي هي كافرة لا تأخذ بحكم الله من جهة, وبين دعاة العلمانية أنفسهم ممن هم خارج نطاق السلطة أو داخلها والذين حوربوا وأقصوا من قبل التيار الديني, ومن قبل السلطة مدعية العلمانية, الذين راحوا بدورهم يكيدون للسلطة المنافقة والمستبدة التي أقصتهم من جهة ثانية.

أما الأنظمة التي تتبنى الحاكمية كمصدر وحيد في التشريع للدولة والمجتمع في عالمنا العربي, فهي أنظمة بعيدة كل البعد عن الدين وجوهره, بل هي وظفت الدين لقوى حاكمة وجدت في شهوة السلطة كل ما يبرر لها من تشويه للدين نفسه أيضاً ولي عنقه كي ينسجم مع مصالحها. لذلك راحت تمارس التجهيل على المواطنين من خلال حجب الحقيقة عنهم ودفعهم في البحث عن مصيرهم في عالم الخرافة واللامعقول. فهذا الشيخ عبد العزيز الباز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والافتاء والدعوة والارشاد في المملكة العربية السعودية يفتي رضي الله عنه وبكل ثقة وإيمان بالله من أجل محاربة العقل والعقلانية معاً, حيث يقول : (الفكر والكفر واحد, بدليل أن حروفهما واحدة.). كما يقول في فتوى أخرى حول كروية الأرض قائلاً: ( يجوز قتل من يقول بدوران الأرض وكرويتها ومصادرة أموال وأملاك من استتاب.). ومن الطرافة بمكان نجد الشيخ المرحوم محمد سعيد رمضان البوطي, الذي كان أحد أعمدة الفكر الديني الوسطي في بلاد الشام, ورئيس الهيئة الإسلامية في بلاد الشام, ومن أعمدة رجال الدين في المؤسسة الدينية الرسمية في دولة تتبنى العلمانية نهجاً لها, نجده يكتب في رسالة له إلى الباز بعد أخذ موافقة وزير الأوقاف (محمد محد الخطيب), يشكر فيها الباز على تحويله كتابه (الإسلام ملاذ كل المجتمعات الإنسانية), إلى لجنة في هيئة البحوث العلمية السعودية للاطلاع عليه وإبداء الموقف الوهابي منه, وأبرز ما جاء في هذه الرسالة, قول البوطي للباز : (سلام الله عليكم وبركاته … بارك الله في وقتكم وأن يمنحكم الصحة والعافية التامة وينفع المسلمين بجهودكم وأن تثابوا الأجر الوفير…)!!. (1).

أما الشيخ المشهور والداعية “صالح بن العثيمين”, فهو يحذر في فتوى له من استخدام الدش (الساتلايت), والاحتفاظ به في خطبة الجمعة الثانية يوم 25/ 3/ 1417 هـ/ قائل: (من مات وَخَلَفَ في بيته “دش” غش” رعيته فَحَرَمَ عليه الجنة). والمشكلة أن الكويت التي تتبنى دستورا علمانياً تبنت هذه الفتوى. (2).

أما في دولة السودان الإسلامية المعاصرة, فهذا أحد الوزراء في حكومة ( حسن البشير) يدلي برأي يبشر فيه بوجود حل لمشكلة التنمية في السودان عن طريق استخدام (الجن), فما كاد السيد رئيس الجمهورية البشير أن سمع هذا الرأي, حتى أوعز للسيد الوزير أن يتقدم بدراسة عن دور الجن في التنمية.(3).

هكذا نرى أن معظم السلطات الحاكمة في عالمنا العربي قد أضاعتها شهوة السلطة, وراحت تحارب الدين والعلمانية معاً, في الوقت الذي تتجار بهما معاً.

كاتب وباحث من سورية d.owaid333d@gmail.co

مجلة نهج الإسلام – عدد ممتاز – وزارة الأوقاف السورية- دمشق – العدد – 23- آذار- 1986- ص 40 وما بعد.
– مجلة النهج- مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية – دمشق – العدد- 29- لعام—2002 – ص- 19-
– مجلة النهج- مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية – دمشق – العدد- 21- لعام- 2000- ص- 220.

الوسم


التعليقات مغلقة.
استطلاع

هل تتم التهدئة ما بين اسرائيل وحركة حماس؟

View Results

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
اعلان
ايقونة الصمود والتحدي الفلسطينية عهد التميمي