الحداثة حتمية تاريخية /د.عدنان عويّد

أضيف بتاريخ: 12 - 07 - 2018 | أضيف بواسطة: admin | أضيف في: الوان ثقافية

الحداثة حتمية تاريخية

د. عدنان عويّدِ

د.عدنان عويّد

يبدو أن مفهوم الحداثة لم يزل في حالة التباس وضبابية عند الكثير ممن حاول الاشتغال عليه أو الكتابة عنه, وحالة الالتباس تأتي من الخلط أو عدم التميز ما بين الحداثة وما بعد الحداثة.

إن الحداثة في سياقها العام هي مشروع حضاري تقدمي يفرض نفسه دائما على المجتمعات كأمر حتمي طالما أن هذه المجتمعات في حالة تطور وتبدل مستمرين. أي أن الحداثة وفق هذا التصور هي مشروع أو نظام حياة بكل تجلياتها المادية والفكرية, تفرضه سيرورة وصيرورة تطور المجتمعات الحتمية, وبالتالي هي مشروع أو نظام لا يعرف السكون أو الثبات أو الاطلاق, وإنما الحركة والتطور والتبدل والنسبية.

أما ما بعد الحداثة, فتأتي في سياقها العام مشروعاً فكرياً يغلب عليه الطابع الأيديولوجي ألتنظيري في الغالب, وتتبناه حوامل اجتماعية محددة, تهدف من ورائه وبشكل مقصود وموجه إعادة تقويم منجزات الحداثة و ضبط آلية عملها وإنتاجها, وبالتالي إعادة توجيه خط سيرها وفق مصالح قوى طبقية محددة, غالباً ما تكون قوى مستغِلة كما هو الحال في المجتمعات والدول الأوربية التي راح منظرو الطبقة الرأسمالية الاحتكارية ينظرون لها.

إن ما بعد الحداثة وفقاً لهذا التصور, هي مشروع أو نمط حياة يغيب عنه دور القوى الجماهيرية الفاعلة في التاريخ كموجه لحركة التاريخ نفسه, ويبرز دور القوى المستغِلة ومنظروها الذين يعملون على رسم ملامح حياة جديدة يريدون تطبيقها على الواقع بشكل إرادي ومدروس, بهدف استمرارية وجود هذه القوى على رأس الهرم السياسي والاقتصادي والاجتماعي, ومن هنا تأتي مسألة التنظير لمجتمع أو لعالم ما بعد الحداثة بكل مستوياته على أنه عالم أو مجتمع النهايات والموت والتفكيك وتحطم النظريات الكبرى وتحطيم العقل …إلخ, أي تحطيم الحداثة ذاتها كفعل تقدمي وكل ما يدعو إلى جوهر الإنسانية ورقيها فيها, أو ما يساهم في إعطاء الجماهير المقهورة دورها في إدارة العملية التاريخية.

من هذا المنطلق نحن بحاجة ماسة إلى التعرف أكثر على مفهوم الحداثة, وضرورة الفصل ما بينها وبين مفهوم ما بعد الحداثة, على اعتبار أن الحداثة مشروعاً إنسانياً كما أشرنا أعلاه, يجب علينا التطلع إليه دائماً وتبني مفرداته, كونه يحمل معه تطور المجتمع ورقيه وفقاً للمرحلة التاريخية التي يعيشها هذا المجتمع أو ذاك.

تجليات الحداثة في أوروبا؟:

لقد تجلت الحداثة الأوربية في خطها أو مستوى تطورها الفكري الفلسفي, بدعوتها لتجسيد الحرية الفردية, واعتبار العقل المرجعية الرئيسة في حياة الفرد والمجتمع, ثم التأكيد على اعتبار المجتمع مجتمع مصالح متبادلة بين أفراد أحرار (مواطنون) لا رعايا ولا عبيد, تحكمهم وتضبط حركتهم ومصالحهم دولة قانون, ومؤسسات وضعية علمانية, ترفض تقديس الأشياء والأفكار والأشخاص. كما تدعو إلى اعتبار المجتمع وحده مصدر السلطات, وأن تداول السلطة من حق الجميع, ويتم تداولها بشكل ديمقراطي. هذا إضافة إلى دعوتها لتطبيق مبادئ العدالة والمساواة .

أما الحداثة الأوربية في خطها أو مستوى سيرها العملي, فقد تجلت في سعي حواملها الاجتماعيين من الطبقة البرجوازية في مرحلتها الأولى, على نمذجة أوربا أولاً, ثم السعي لنمذجة العالم الآخر وفقاً لمصالحها هي ثانياً, حيث وجدت في البعد النظري للحداثة في صيغتها النظرية التي جئنا عليها أعلاه, سلاحاً بيدها حطمت به سلطة الإقطاع والكنيسة والملك في أوربا من جهة, مثلما وجدت في البعد النظري ذاته سلاحاً بيدها أيضاً لطرح وتمرير رسالة الرجل الأبيض استعمارياً, بغية أن تسود أو تسيطر على دول العالم الثالث من جهة ثانية.

إن محاولة نمذجة العالم وفقاً لمشروع الحداثة من قبل الطبقة الرأسمالية, كانت في بدايتها دعوة (تقدمية) لتعميم شمولية العقل الإنساني وحرية الإنسان وعدالته, الأمر الذي جعل منها نمذجة مضاعفة تطال التاريخ والعقل معاً.

لقد استطاعت الحداثة الأوربية عبر حواملها من الطبقة البرجوازية الأوربية التي شكلت حالة تقدمية في بداية صعودها أن تسيطر على السلطة الاقتصادية والسياسية في دولها, وبالتالي السعي إلى تغيير العالم وفقاً لمصالحها فعلاً والانتقال به من عالم الخرافة والامتثال واللامعقول.. عالم الظلم والاستعباد, إلى عالم الحرية والعلم والمعرفة والتكنولوجيا. بيد أن هذه الطبقة الرأسمالية التقدمية في بداياتها راحت تتحول شيئاً فشيئاً إلى طبقة إمبريالية تمارس الظلم والقهر والتشيئ والاستلاب على شعوبها وشعوب دول العالم الثالث معاً. حيث دفعتها مصالحها بالضرورة إلى تفريغ قيم الحداثة التقدمية التي بشرت بها وعملت عليها تاريخياً من مضمونها الإنساني, وتحويل الكثير من قيمها إلى شعارات مفرغة من مضمونها.

نعم, إن الحداثة الأوربية جاءت هنا تعميماً لخط التطور الأوربي على الأخر سابقاً ولاحقاً, وهو خط أحادي يختزل التاريخ بالتجربة الأوربية, حيث أعلي من شأنها في مرحلتها التقدمية الماضية الداعية إلى العقل والحرية والكرامة والمساواة الإنسانية والنهضة, التي جعلت منها تجربة تتطلع إليها الشعوب المتخلفة والمقهورة في العالم الثالث, بيد أن هذه التجربة في المرحلة المعاصرة, أي مع مرحلة الرأسمالية الاحتكارية, مرحلة الرسملة والعقلانية الأدائية, راحت تعمل على تدمير كل قيم الحداثة التقدمية ليس في أوربا وحسب, بل وفي كل مكان تطاله من دول العالم, حيث تحولت الحداثة هنا إلى ما بعد الحداثة, وأصبحت الطبقة الرأسمالية الاحتكارية الحامل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي لهذه المرحلة تعمل خلق عالم السوق الجديد (العولمة) الذي سُلع فيه كل شيء حتى غرائز الإنسان, الأمر الذي دفع الكثير من منظري هذه المرحلة إلى تأكيد ضياع الإنسان وتشيئه واغترابه واستلابه وتذريره وفقدانه قيمه الإنسانية واعتبار هذا التحول امراً طبيعياً فرضته نهاية التاريخ التي بشرت بها العولمة بقيادة الطبقة الرأسمالية الاحتكارية ومن يقف معها من مفكرين وفلاسفة وأدباء وسياسيين وغيرهم.

سمات وخصائص الحداثة:

أولاً: التاريخية:

تعتبر السمة التاريخية من أهم السمات التي تمنح الحداثة حيويتها على اعتبارها – أي الحداثة – تحمل في آلية عملها التطور والتبدل الحتمي. فالتاريخ ممثلاً بظواهره ومنها الحداثة, سيرورة وصيرورة مستمرتان, وفي كل محطة من محطات التاريخ التي لا تنتهي هناك وقائع جديدة تفرض نفسها بسبب نشاط الإنسان الذي لا ينتهي أيضاً. وهذا النشاط الذي يتجلى مادياً وروحياً, له حوامله الاجتماعية التي تمارسه خدمة لمصالحها, وبالتالي فمصالح القوى الطبقية هي من يحرك التاريخ ويرسم ملامحه العامة, فكلما كانت مصالح هذه القوى الطبقية ذات بعد إنساني, كانت معطيات الحداثة معطيات إنسانية بالضرورة, ولكون تاريخ الإنسان هو تاريخ حريته, أي تاريخ نضاله من أجل تحطيم كل ما يعوق تجوهر إنسانيته, إلا أن هذا الطبقة الذي تناضل من أجل حريتها في مرحلة تاريخية محددة, هي ذاتها تعود بهذا الشكل أو ذاك لتمارس ظلمها وقهرها على الآخرين بغية الحفاظ على مكانتها ومصالحها التي تهددها مصالح القوى الطبقية الجديدة التي أفرزتها عملية تطور قوى الإنتاج وعلاقاته.

وعلى هذا الأساس جاء التنظير لما بعد الحداثة من قبل الطبقة الرأسمالية ومنظريها الذين عملوا من أجل الحداثة في بداية ظهورها أو صعودها في أوربا كما أشرنا قبل قليل. فمرحلة ما بعد الحداثة التي راحت يُنظر لها منذ نهاية الحرب العالمية الأولى هي التعبير الأيديولوجي المعبر عن طموحات هذه الطبقة بعد أن تحولت إلى طبقة رأسمالية احتكارية. فالتاريخ الإنساني بكل مكوناته الحضارية مع وصول الرأسمالية إلى مرحلة الرأسمالية الاحتكارية, يجب بقناعة هذه الطبقة الاحتكارية أن يعيش عالم هذه الطبقة وهي العولمة التي تشكل نهاية التاريخ عندها. أي بتعبير آخر, على الجميع أن يقبلوا التعايش مع النظام الرأسمالي ويعيدوا هيكلة أنفسهم معه. بيد أن هذا الموقف من التاريخ هو موقف يعاكس أو يناقض حركة التاريخ, فالتاريخ ليس له نهايات, وأن تناقضات وصراعات مصالح مكوناته الاجتماعية ستظل قائمة, وستفرض استمرارية حركته وتطوره وتبدله باستمرار. أي استمرارية فعل الحداثة بالضرورة.

ثانياً: الأنسية:

الإنسيّة أو الإنسانية, وهي سمة أخرى من سمات الحداثة. فالحداثة تعبير عن التطور والتقدم الإنساني كما أشرنا اعلاه, وما تاريخ الإنسان في صراعه مع الطبيعة أولاً ومع من يستعبده ثانياً من جنسه البشري, إلا تعبيراً عن صراع هذا الإنسان من أجل انتزاع إنسانيته من براثن الضرورة بشقيها الطبيعي والاجتماعي. ففي البدء ناضل الإنسان ضد الضرورة الحكمية (قوانين الطبيعة العمياء), فاستطاع شيئاً فشيئاً أن يكتشف الكثير من أسرار قوانين الطبيعة, وفي كل مرة يكتشف فيها قانوناً من قوانينها يستطيع التحكم بجزء من آلية عملها العمياء, وبالتالي يحوز على شيء من حريته, أي يسترد شيئاً من إنسانيته التي استلبتها الطبيعة. وفي الفترات اللاحقة من تطور قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج وضياع الإنسان نفسه في إنتاجه, راح يناضل ضد هذه الضياع ممثلاً باستلابه وتشيئه واغترابه الذي وضعه فيه أخيه الإنسان الذي استعبده, وهو هنا في نضاله الطبقي هذا, استطاع أن يحصل أو يحوز على حريته الجسديه من ربقة العبودية, و على جزء كبير من حريته المعنوية, وها هو اليوم يستمر في نضاله كي يكسب ما لم يستطع أن يكسبه سابقاً من جوهر إنسانيته, رغم كل ما تمارسه ضده القوى المستغِلة من قهر وظلم واستلاب وتغريب وتشيئ.

إن السمة الإنسانية في الحداثة هي أمر حتمي أيضاَ, ولكنها حتميته ليست ميكانيكية, بل حتمية مشبعة بإرادة الإنسان ووعيه لذاته كإنسان من لحم ودم, له حقوق وعليه واجبات في مجتمعه ودولته ومن حقه أن يمارسهما.

ثالثاً المادية:

تعتبر المادية سمة أخرى من سمات الحداثة في مرحلة متطورة من مراحل تاريخ الإنسان, خاصة بعد أن وعى نفسه كإنسان حر مستقل في قراره وتحقيق مصيره, وليس هناك قوى أخرى هي من يرسم له هذا المصير, أي يرسم له الطريق الذي عليه أن يسلكه في حياته. فالمادية وفق هذا التصور, هي نزعة إنسانية لأنها ترفض نمذجة الإنسان وفق تصورات غيبية امتثالية تفرضها سلطات من خارج التاريخ أو من داخله عبر قوى سياسية سلطوية تعتبر نفسها وصيّة على هذا الإنسان ومسؤولة عن قدره وحياته. فالمادية في ابسط صورها هي الإقرار بوجود قوانين موضوعية وذاتيه متعلقة بالفرد والمجتمع والطبيعة هي من يتحكم في حياة الإنسان, وما على الإنسان إلا اكتشافها والتحكم بها, وبالتالي تسخيرها لمصلحته كي يرتقي بإنسانيته.

إن الإنسان وفق هذا التصور المادي لحياته هو ضرورة وحرية معاً, هو ضرورة كونه محكوم بالقوانين الموضوعية في الطبيعة والمجتمع, وهو حرية كونه يتمتع بالقوة الذاتية التي تمنحه القدرة على كشف سر هذه القوانيين والتحكم بها لمصلحته.

رابعاً: العقلانية النقدية:

تعتبر العقلانية من السمات الهامة بالنسبة للحداثة, وهي مرتبطة بسمة الإنسانية أيضاً, إن لم تكن وجهها الأخر. إن ما يميز الإنسان عن كل الأشياء المحيطة به هو عقله, الذي يعني وعيه, وللوعي درجات, وهو حاصل معرفة الإنسان عبر تاريخ نشاطه الطويل في حياته المادية والفكرية. وهذا ما يمنح العقلانية حالات تطورها التي تبدأ بوعي الإنسان نفسه وتميزه عن الآخر, مروراً بالعقلانية الأداتية التي توظف العقل أو معارف الإنسان لتأدية مهام براغماتية تخدم قوى اجتماعية محددة تعمل على تسخير العقل لخدمتها, وغالباً ما تؤدي هذه المهام العقلانية الأداتية إلى تدمير الإنسان نفسه عندما يسخر العقل ضد الإنسان, كما هو الحال في الاستثمار غير العقلاني للبيئة, أو في استخدام الأسلحة الفتاكة في الحروب وغير ذلك.وصولاً إلى استخدامه أخيراً كعقل نقدي بعمل على كشف الحقائق التي تهم الإنسان وتسخير معطياتها لمصلحته. وهنا يأتي دور العقل النقدي في المعرفة كمنهج فكري لتحقيق التقدم, وأن أهم ما يميز هذا المنهج العقلاني النقدي, أنه يرفض الإطلاق في الحقائق, ويؤمن بالنسبية, فالحقيقة في هذا المنهج تقوم دائماً على معرفة ناقصة. كما أنه يؤمن بالحركة والتطور والتبدل, مثلما يؤمن بأن للكل أجزاء, وكل جزء يؤثر في الآخر, وأن أية ظاهرة لها شكل ومضمون ولها داخل وخارج والعلاقات بين الجزء والكل والداخل والخارج علاقة جدلية ذات تأثير متبادل. كما يؤمن هذا المنهج العقلاني النقدي بأن أحوال الناس تتطور وتتبدل مع تطور وتحول نحلتهم من المعاش كما يقول “ابن خلدون”. وأخيراً يؤمن هذا المنهج العقلاني النقدي بأن التاريخ الإنساني لا يسير بخط مستقيم, بل إن مسيرة التاريخ بمكوناته قابل للتوقف والتراجع أحياناً, وهو يسير بخط حلزوني جدلي يرفض السكون والثبات أو التلاشي.

ملاك القول: الحداثة إذن مشروع حياة بكل مكوناتها المادية والفكرية, وهي أمر حتمي, قد تعمل بعض القوى الاجتماعية على إبقاف حركتها لمصلحتها, إلا أنها لا تستطيع إلغاءها. إن الحداثة أمر حتمي, ولكن حتميتها ليست ميكانيكية, بل حتمية جدلية, سيدها وصاحب الأمر فيها الإنسان بعد أن وعى ذاته كإنسان من حقة أن يحوز على جوهر إنسانيته, وفي كل مرحلة من مراحل تطور حياة هذا الإنسان في تاريخه, تعتبر القوى الاجتماعية التي تدفع بهذا التاريخ إلى الأمام قوى تقدمية, بالرغم من كونها تعمل مستقبلاً على عرقلة مسيرة الحداثة من أجل مصالحها, غير أنها لن تستطيع أن توقف عجلة التاريخ وتلغي الحداثة من مسيرتها لأنها قدر الإنسان الذي يصنعه بنفسه.

كاتب وباحث من سورية
d.owaid333d@gmail.com


الوان عربية تأسست في 2009