إشكالية الهوية الثقافية في الداخل الفلسطيني/ نزار حسين راشد

أضيف بتاريخ: 09 - 07 - 2018 | أضيف بواسطة: admin | أضيف في: الوان ثقافية

 إشكالية الهوية الثقافية في الداخل الفلسطيني

نزار حسين راشد

“أريد أن أمزق ذاكرتي كي أخرج من شرنقة الحنين وأنظر إلى المستقبل”: هذا ما يصرح به آدم بطل رواية الياس خوري “أولاد الجيتو”

وهل فعلاً سيجد الفلسطيني المُسيّج بالاحتلال، والعاجز عن التماهي معه خلاصه في النسيان!

آدم يحاول، فيخترع لنفسه أباً اسرائيلياً اسمه يتسحق، ويفتتح دكاناً في نيويورك، ويعيش بالهوية الإسرائيلية! ولكن عذابه لا ينتهي، وخلاصه واحة من سراب، بينما يشتد عطشه في رحلة معاناته الطويلة، وحتى حبه لداليا اليهودية، يلاقي نهايته السريعة، وكأنه حادث مأساوي، على طريق آلامه الطويلة، الطريق الذي سينتهي قبل صلبه بلحظة، بصب الإهانات فوق رأسه، في حدث مواز لمصري يجبر على نهب البيوت برفقة العصابات اليهودية، ليجد نفسه في بيته أخيراً، وهنا ينقلب المشهد وتحدث لحظة التنوير، ويتمرد الضحية على الجلاد، ويرفض تنفيذ الأوامر!

حكاية الهوية تحت الإحتلال، حكاية طويلة مريرة، ولِنُضيءَ جانب المشهد الآخر، مطلين من شرفة الواقع اليومي، لننظر ماذا تقول كاتبة فلسطينية، دخلت في التجربة!

“بقيتُ على اعتقاد، ولمدّة طويلة بأنّ الهويّات لا تُقرأ تماما ولا تُفسّر، حتّى وقفتُ أوّل مرّة في مطار بن غوريون الدّولي، وكنت في السّادسة عشرة من عمري، وفهمت أنّي لن أعبر لأيّ مكان في العالم قبل أن أفسّر هويّتي، كفلسطينيّة تحمل جوازا إسرائيليّا ممزّقا بالإدانات، والكرامات معا. كرامات الدّولة مع مواطنيها الخارجين عن سرب المواطنة، وإدانات العرب لأنّ فينا الشّريان الأزرق الخارج عن سرب العروبة، منذ أوّل مرّة طرتُ بدأتُ أعلن هويّتي كفلسطينيّة مغضوب عليها، والغريب أنّنا، وفي القرن الواحد والعشرين لم تتغيّر خانات تعريفنا. لا نزال خارج سرب التّعريفات بكلّ ألوانها.

وحول هذا الالتباس تقول رجاء بكرية: “لا أرفض الهوية الإسرائيلية كتأشيرة انعتاق موقتة من علب سجائرنا الصغيرة، لكنني أرفض رعونة منطقها. على رغم أننا ندفع ثمن كل خطوة نخطوها معها. ادخل مطاراً إسرائيلياً، وستفهم أنها بطاقة تذويب للكرامة وتفتيت للكبرياء في فنجان القهوة الذي يعرض عليك داخل غرف التفتيش”.

محمود درويش غادر وطنه، حين لم تعد تسعه زنزانة الإحتلال، ولا حتى قفصه الّذي غرّد من داخله كثيرون، من الكتاب الفلسطينيين، اعضاء راكاح، في محاولة لإجراء المصالحة المستحيلة!

ربّما يحتج أحدهم ملقياً الكرة في ملعبنا من جديد ليقول: ها هو المجتمع الدرزي يتماهى مع الإحتلال، يخدم في جيشه ويتقلد وظائفه، ولا يشعر بالتهديد!

في هذا القول بالطبع اتهام مبطن للمجتمع الفلسطيني المسلم بالشوفينية الدينية أو القومية، وفي هذا مغالطة كبيرة، لأنه من طبيعة الإحتلال الإستيطاني، استغلال الأقليات وتوظيفها ضد هوية الأغلبية، وهذه الممارسة هي إدانة للإحتلال وليست تاجا على رأسه!

قبل وفاته بقليل وفي مقابلة معه، قال سميح القاسم: لا تؤاخذني بما قال جدي قبل مئات السنين، مشيراً إلى وحدة الجذور والهوية، ومشيراً إلى صورة “القرآن الكريم” على رف مكتبته في خلفية الصورة! وهذه رسالة بالطبع إلى قومه الدروز لسد الثغرة التي نفذ منها العدو!

على المقلب الآخر، يراقب الكتاب اليهود هذا المشهد، ولكنهم يخلعون عليه الأغلفة الزائفة، هروباً من الإدانة، أو محاكمة الضمير إن وجدت!

ففي روايتها “غبار” تجعل يائيل دايان الضحية البديلة لليهودي الذي حكم عليه النازيون بالإعدام، ووقف في الطابور انتظاراً لتنفيذ الحكم، تجعله بولندياَ وليس فلسطينياً، في إدارة ظهرٍ ماكرة لما حدث فعلاً على الارض الفلسطينية، وحتى مسار الأحداث يأتي في سياق خطأٍ غير مقصود، تبديل للدور في الطابور، وكأنه مكيدة من مكائد القدر، لا يد للصهيونية فيها، إنها تريد الحصول على شهادة براءة بثمنٍ رخيص!هذا هو موقف المثقف اليهودي!

أما بنيامين تموز في قصته “شجرة الزيتون” فيصور مشهد إزالة التراكتور الإسرائيلي شجرة الزيتون من الطريق، في رمزية لفعل الإجتثاث والإحلال! ولكن التراكتور لا يتوقف بل يواصل اجتثاثه، تماماً كما يفعل المجتمع الإسرائيلي بالتوازي، بلا توقف وبلا شكة ضمير أو احتمالٍ للمراجعة!

هذه النظرة كرّسها ليون أوريس بفظاطة في روايته “اكسودس” إذ جعل الفلسطيني مجرد ضحية رخيصة على مذبح بناء الهيكل!
الهوية الثقافية تؤكدها كل يوم البلدوزرات والجرافات الإسرائيلية، التي لم تتوقف منذ سبعين عاماً ونيّف، وها هي تهدر في الخان الأحمر، ولوهلة قريبة، في العراقيب، في محاولة يائسة لانتزاع الجذور، الضاربة في عمق هذا التراب، إلى حيث لا تصل أسنان الجرّافات!


الوان عربية تأسست في 2009