قمة المصالح البراغماتية المتنافسة/ ماجد الشّيخ

أضيف بتاريخ: 07 - 07 - 2018 | أضيف بواسطة: admin | أضيف في: اراء وافكار

قمة المصالح البراغماتية المتنافسة

ماجد الشّيخ

ماجد الشّيخ

زحمة مواعيد وحراكات سياسية يشهدها هذا الشهر (تموز/يوليو)، يأتي في قمتها تلك القمة التي ستعقد في العاصمة الفنلندية هلسنكي في السادس عشر منه، بعد أيام من قمة حلف شمال الأطلسي التي ستعقد يومي 11 و 12 في بروكسيل، وبعد الزيارة المفترض أن يقوم بها ترامب إلى بريطانيا يوم 13 منه أيضا، وبعد انتهاء المونديال في الخامس عشر من تموز/يوليو.

وفي وقت رأت الصحافة الأميركية في القمة الروسية – الأميركية، بمثابة تكريس لنوع من براغماتية المصالح المشتركة مرة والمتنافسة مرات، وبالخصوص بعد التغييرات التي أجراها ترامب بتعيين مايك بومبيو وزيراً للخارجية خلفاً لريكس تيلرسون قبل أشهر، وجون بولتون مستشاراً للرئيس لشؤون الأمن القومي، وهما من صقور هذه الإدارة، بقدر ما أضافت مخاوف لدى الأوساط السياسية الأميركية من مآلاتها، خصوصاً بسبب توقيتها في خضم الأزمات التي عانى منها ترامب داخلياً. كذلك لا تقتصر هذه المخاوف على الداخل الأميركي، إذ ظهرت هواجس في العديد من الدول الأوروبية، وسط خشية من توجهات ترامب وتفضيله التقارب مع روسيا على حساب الحلفاء الأوروبيين.

وفي لحظة “حرد” ترامبي، بعد خلاف حاد مع الحلفاء الأوروبيين، ونشوء مسلسل من الحروب التجارية التي بدأها ترامب، بمزاج انفرادي وأحادي ومصالح متعادية سياسيا واقتصاديا مع الأوروبيين، قد تؤثر في علاقاتهما البينية، إلا إذا استطاع ترامب فرض “أتاواته” عليهم؛ في هذه الأثناء قرر البيت الأبيض الذهاب إلى قمة أميركية – روسية، لم تتضح أهدافها بعد؛ وإن تكن متعددة، كما يسود الغموض جدول أعمالها، وهي التي تم الترتيب لها بطريقة مستعجلة أثناء مشاركة ترامب في قمة حلف شمال الأطلسي، في وقت يتوقع فيه الاصطدام مع دول الناتو، جراء قصورهم في تلبية متطلبات الإنفاق العسكري، كما اصطدم معهم في قمة السبع في كندا بشأن الرسوم الجمركية على صادرات الحديد والألمنيوم.

إلا أن العلاقة مع أوروبا، لن تكون الوحيدة على طاولة مباحثات ترامب وبوتين، اللذين لم يلتقيا سابقاً سوى مرّتين، وكان اللقاء الأول على هامش قمة مجموعة الدول العشرين في ألمانيا قبل نحو عام، بالإضافة إلى محادثات قصيرة على هامش قمة “أبيك” في فيتنام في نوفمبر/تشرين الثاني 2017.

وفيما أعلنت موسكو أن وزير خارجيتها سيرغي لافروف، قد يلتقي نظيره الأميركي مايك بومبيو قريباً لحسم جدول الأعمال، إلا أن تصريحات المسؤولين الأميركيين والروس في الأيام الأخيرة، أعطت فكرة أولية عن أجندة القمة، بدءاً من ترامب الذي قال إنه سيتم بحث الحرب في سورية والوضع في أوكرانيا، مروراً ببومبيو الذي قال إنه على ثقة في أن موضوع “التدخلات الانتخابية” سيبحث من دون أن يمنع ذلك ترامب من إجراء “محادثات مثمرة” يمكن أن تؤدي إلى تحسينات للبلدين.

يدخل ترامب لقاء هلسنكي مع بوتين، وهو أكثر ارتياحا للموقف الروسي من الحرب في سورية، وذلك على قاعدة باتت تتضح في فصولها الأخيرة، وهي تقول أن التعاون بين إسرائيل وروسيا يجعل من نظام الأسد “شريكا استراتيجيا”، طالما ان اعتماده على موسكو أكثر من نظام الملالي في طهران، يخلق وقد خلق وضعا مريحا نسبيا لإسرائيل، على عكس العديد من المرات خلال سنوات الحرب، حيث كانت الكفة ترجح الميل نحو تأييد إسقاط النظام.

بدوره، أعرب بولتون، خلال زيارته موسكو قبل أيام، عن أمله في أن تبحث القمة التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية، وذلك فيما تقترب التحقيقات في القضية من دائرة ترامب الضيقة، بما في ذلك ما أظهره طلب إصدار مذكرة لتفتيش شقة بول مانافورت، المدير السابق لحملة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الانتخابية، عن صلات أوثق مما كان معروفا سابقاً، بينه وبين قطب أعمال روسي يدعى أوليغ دريباسكا وله صلات وثيقة بالكرملين. وكان بولتون واضحاً بقوله إنه “إذا نظرنا إلى المجالات المحتملة للتعاون، فيعتقد الرئيس ترامب والرئيس بوتين على حد سواء، بضرورة مناقشة المسائل العامة، لأن علاقاتنا الثنائية تؤثر في الاستقرار في العالم أجمع”.

كذلك لفت إلى أنه قد يبحث مع بوتين مسألة عودة روسيا إلى مجموعة السبع الكبار، وإن أشار إلى أن موقف الولايات المتحدة بشأن العقوبات ضد روسيا لم يتغير. وكانت المجموعة قد أعلنت تجميد عضوية روسيا في مجموعة “G8″، على خلفية تدهور العلاقات بين موسكو وعدد من العواصم الغربية، بسبب الأزمة الأوكرانية، وضم شبه جزيرة القرم إلى روسيا عام 2014.

كما ذكر بولتون أنه من بين المواضيع المحتمل مناقشتها بين الرئيسين، معاهدة الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى والرقابة على التسلح. مع العلم أن مستشار الأمن القومي بحث مع بوتين خلال التحضير للاجتماع قبل ايام، ملفات الاستقرار الاستراتيجي، والسيطرة على السلاح النووي، والأزمة الأوكرانية وكوريا الشمالية، وانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق الخاص بالبرنامج النووي الإيراني.

وهكذا يبدو الرئيس الأميركي دونالد ترامب شبه وحيد في قمته المزمعة مع بوتين، فلا الأوروبيون على وفاق تام معه، ولا هو على توافق تام معهم، حيث تباعد المصالح والخلافات والاختلافات البينية، والمطامح المالية لسيد البيت الأبيض وشراهته لكسب الصفقات وشراء السياسة بالمال والعقارات والاستثمارات المربحة في مطلق الأحوال، وكل هذا لا يجعل من الأوروبيين أقرب إلى الحليف الأميركي، حتى في ظل عدم التوافق المطلق مع روسيا.

أما في الداخل الأميركي، فالأمر في السياسة لا يختلف، فترامب الذاهب إلى قمة تتخاطب فيها المصالح بشكل تنافسي، وربما بأشكال صراعية حادة، قد لا يجد من يجاريه في مواقفه حتى من بين مسؤولي إدارته، أو في الكونغرس بمكونيه الجمهوري والديمقراطي، كذلك في تقاربه مع بوتين؛ الأمر الذي يحمل معه العديد من علامات الغموض في هذه العلاقة، على عكس تلك التي كانت تكتنفها الصراعات بين الطرفين الأميركي والسوفييتي في السابق، زمن الحرب الباردة.

عدم الانسجام وتماسك الفريق الأميركي الراهن، وقد تسبب منذ بداية عهد ترامب بالعديد من الخلافات المتبادلة، ونفور أمزجة الفرقاء بين معظم أركان الإدارة الترامبية، كما أدى إلى إقالة البعض مثل الجنرال اتش. آر. ماكماستر، وحتى الوزير المقال ريكس تيلرسون. كما ويبدو أن الجنرال الثاني، جون كيلي، كبير مسؤولي البيت الأبيض، بات هو الآخر على وشك الإقالة أو الاستقالة، بحسب تسريبات حصلت عليها جريدة “وول ستريت جورنال”. وحتى الجنرال الثالث، جيمس ماتيس، قد لا تطول إقامته في وزارة الدفاع؛ إذ بدأ البيت الأبيض بإبعاده عن ملفات من صميم اختصاصه، مثل قرار وقف المناورات مع كوريا الجنوبية من دون التشاور معه، وذلك بحسب معلومات منسوبة إلى مصادر في البنتاغون.

أما حول الوضع السياسي الداخلي، فيبدو أنه يعود إلى مربع التأزيم والاشتباك السياسي الذي كان ساد في بدايات الفترة الأولى، التي أعقبت إعلان فوز ترامب، حيث شهدت العديد من القضايا خلافات كبيرة غير مسبوقة في عهود الإدارات السابقة، مثل قضية اللاجئين في الجنوب، وقضية الهجرة، وقضايا داخلية أخرى، من الصعب حسمها في ظل عقلية مالية عقاروتية تشتغل على حساب السياسة والمصالح العامة للدولة، كما عرّفها ويعرّفها الدستور، الحريص على مصالح المواطنين، فيما سلطة الشخص الترامبية تبدو أحرص على مصالح شخصية وزبائنية خاصة بها، وبالمنتفعين من أصحاب رؤوس الأموال وشركاتها وكارتلاتها العابرة للحدود، وهي تؤسس لعالم يتعولم أكثر على وقع تدفقات مالية، لا يستفيد منها سوى أحاديات المال والأعمال، ولو على حساب السياسة والسياسات الطامحة لخدمة المجتمعات المواطنية؛ أين منها شعار “أميركا أولا” الترامبي، وقد تكشف الأيام أن المعني بـ “أولا” هو ترامب نفسه.


الوان عربية تأسست في 2009