كلمات من دفتر الاحوال…(16) / كاظم الموسوي

أضيف بتاريخ: 18 - 06 - 2018 | أضيف بواسطة: admin | أضيف في: الوان ثقافية

كلمات من دفتر الاحوال…(16)

كاظم الموسوي

كاظم الموسوي

البلوك الرابع، عنوان السكن لطلبة الدراسات العليا، الدكتوراه، في أكاديمية العلوم الاجتماعية البلغارية في صوفيا، وهو عنوان لمبنى أنيق من الحجر والطابوق الاحمر، تزينه الشبابيك العريضة الواسعة، مكون من اكثر من ستة طوابق، ويحتوي كل طابق على اكثر من عشر شقق سكنية، مخصصة للطلبة، وتحته مطعم بار واستعلامات بكل معانيها…

وخلفه مبنى عنوانه فندق، للضيوف والقيادات الحزبية المقيمة، وكنت اقيم في وسط الطابق الخامس، ويضم البلوك الرابع والفندق، طلبة باحثين من اليمن وفلسطين المحتلة ومهاجرها والاردن وبلغار وروس وآخرين من جنسيات أوروبية او لاتينية.

البلوك جزء من المجمع الأكاديمي المسيج بحدائق وأشجار عالية من كل جهاته، ضاما بين اسواره وجدرانه اكثر من مبنى/ بلوك، للمراحل الدراسية الأخرى والاختصاصات والفروع العلمية والحزبية التي تفرغت لها الأكاديمية، ومبان للدراسة والتدريس والادارة، ومستوصفا واسواقا ومكتبة ومكتب بريد وخدمات جلى تغني الداخل فيه من الخروج اليومي منه، وتسد حاجات الطلبة الباحثين عن العلم والمعرفة، والمكلفين من أحزابهم وتنظيماتهم للدراسة واثراء معارفهم والعودة إلى ساحاتهم لمواصلة الكفاح بوعي جديد مسلح بالمعرفة العلمية والخبرة النظرية التي تسعى الأحزاب إلى الارتقاء بها والتعبير عنها بما يمكن أن يبني أجيالا حزبية ممارسة ومتمرسة وقادرة وقديرة وتحمل المسؤولية الملقاة عليها وتخطو الخطوات المطلوبة منها. فلا حركة ثورية بدون نظرية ثورية، كما ثبت ذلك المعلم الكبير، لينين.

كطالب دراسات عليا قدمت ما يلزم، انتهيت من امتحانات تعلم اللغة البلغارية، ودورة اللغة الروسية معها، وهي عملية إلزامية لكل دارس في مرحلة دراسية عالية او مستوى اكاديمي، ينتهي بدرجة علمية.. وطرحت مع الأساتذة في قسم الحركة العمالية فكرة موضوع البحث لنيل درجة الدكتوراه، فاقترحت الكتابة عن رجل المهمات الصعبة في العراق، حسين احمد الرضي، سلام عادل، سكرتير عام الحزب الشيوعي العراقي لفترة حرجة من تاريخ العراق، من أواسط الأربعينات من القرن الماضي، مرورا بثورة الرابع عشر من تموز/ يوليو1958 وحتى إستشهاده بعد اعتقاله وتعذيبه البشع والوحشي، إثر انقلاب شباط/ فبراير عام1963 ومجازره التي لا تنسى ولا تمحى. وبقيت فترة انتظر القرار، لاسيما وقد كتبت كراسا عنه في اقليم كردستان العراق، ايام كفاحنا المسلح، وضاع مع غيره في مجزرة بشت آشان أيار/ مايو 1983 واسهمت في إقامة عدد من الندوات المفتوحة عنه في مقرات الفصائل الانصارية، ولقاءات طويلة مع نسيبه الشهيد ابو ليلى، نزار ناجي يوسف. وكذلك بعض رفاقه في القيادة ممن عاش أو عمل معه في تلك الأيام. وتفاجات بأن القسم رفض مقترحي، دون أسباب موجبة او مقنعة، فغضبت وتألمت وكدت اترك الأكاديمية وارحل دون أن اعرف وجهتي او مكاني القادم. الا أن رفاقا حاولوا اقناعي بتغيير الموضوع والاستفادة من الفرصة التي لا تتكرر دائما وقد استفيد منها أكثر من الغضب والانزعاج و”الدلع” العراقي!.

اخترت الكتابة عن الحركة العمالية في العراق للفترة الممتدة بين ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتى ثورة تموز/ يوليو 1958 وهو موضوع لم يكتب عنه كثيرا او بالأحرى لا توجد مؤلفات مختصة او باحثة عنه، واصبح علي ان أقوم بجهد واسع لتسجيل وتقييم الحركة ونضالها وتاريخها ودورها في بناء العراق. وتمت الموافقة وجلست أناقش الاستاذ المشرف والأساتذة الآخرين في القسم عن المصادر والفصول والأبواب. وهنا لابد من كتابة بحوث عن الموضوع وما يتصل به ونشرها في مجلات محكمة، ومنها مجلة القسم الفصلية. وأخبروني بأن الاستاذة فيرا مينولوفا من القسم قد كتبت بحثا عن الحركة العمالية في البلدان العربية، وفي اسيا وافريقيا، والاستاذة ملتانا كولوجوكفا، كتبت عن قضايا الحركة الديمقراطية في تونس بعد الحرب العالمية الثانية، وهي اطروحتها الأكاديمية التي لم تنشرها حينها. وبدأت اخطط واسجل واجمع ما يتوفر من اسماء مصادر وكتب ومراجع وكتابات عن العراق والحركة العمالية خصوصا. من بينها خطة السفر الى لندن والبحث في المكتبات العامة والمعروفة في اهتماماتها عن العراق في تلك الفترة. وأبرزها مكتبة المتحف، ومكتبة وارشيف وزارة الخارجية المسموح او المفتوح للقراءة والاستنساخ. وكذلك البحث في ما يتيسر من ارشيف ووثائق الحزب والمنظمات الأخرى.

تمت السفرة الى لندن وحصلت على مصادر واوراق تتعلق بموضوعي، كما اكتشفت صداقاتي، كنزي الباقي، وتعودت على حياة لندن، وصدماتها، اول مرة أواجه بنفسي الراسمالية، التي درستها نظريا وعرفتها من الكتب، بينما تصبح امامك كما هي، تناضل يوميا في مناخها واجوائها، أمر آخر أو وضع غير، كما يقال. والمفارقة بعد لندن وحصولي على مصادر واوراق غير قليلة ودون مقابل ومن مكتبات البلد الراسمالي، اصطدمت بانغلاق ابواب ارشيف الحزب امامي، حيث كانت الرفيقة المسؤولة عن تنظيم الخارج، ومختصره الحزبي (لتخ) غير مهتمة به وغير معنية باهميته، فردت على رسالتي الحزبية بأن الوثائق غير متاحة حاليا، وقسم كبير موجود عند الرفاق.. المهم بالنسبة لي كيف ساحصل عليها؟!. جوابها واضح، علي حفر الحجر باظافري. قد افهم الصعوبات والتعقيدات في مكان الارشيف والمسؤولية عنه، لكن من الصعب غلق الباب نهائيا بسبب إهمال وتملص من تحمل مسؤولية ما او حساب عنها. وانا باحث حزبي والوثائق الحزبية مصدر أساس ولا يمكن إغفالها او تجاوزها. حصل كل هذا عمدا وتقصدا، لكن الابواب الأخرى لا يمكن أن تغلق ايضا، فثمة رحمة في أمكنة اخرى. فمثلا تكرم علي الرفيق محمد، وهو طالب في جامعة صوفيا، بحزمة من وثائق الحزب، حصل عليها قبل سنوات أثناء دراسته هو ايضا، لموضوع لا يحتاج كثيرا لتلك الوثائق. وتبرع لي اصدقاء كثر بكتب وقصاصات جرائد وصحف من تلك الفترة، وتكدست على مكتبي مجموعة من المراجع والمصادر المتنوعة. حين نشرت البحوث في اول كتاب صدر لي، سبقت صفحاته في المقدمة بشكر كل من قدم لي عونا او رايا او نصيحة، وكتبت اسماءهم وبلدانهم مصحوبة بتقدير لهم وامتنان لمساعدتهم ولن أنكر اي فضل او دعم، وبالتأكيد، في المقابل لا يمكن نسيان من حاول العرقلة او المناكدة او ….!. وفي الحالين واجب وإلزام اخلاقي وشخصي وانساني او ما يتوجب الأمر عليه.

قد اعود لهذه الإشكاليات فيما يأتي من كلمات، لاوجاعها او لمسراتها. وانا احاول تجاهل او عض الجراح بصلابة كي لا يشمت بي كل من اضرني او حاول محاربتي بأسلوبه او طريقته، التي لا تختلف عن أساليب الأنظمة الديكتاتورية والفاشية التي كافحنا ضدها وناضلنا من أجل تغييرها، وبالتاكيد بهدف التسامح والتسامي على الآلام، وهي كثيرة، تكسرت النصال على النصال فيها. المهم أن هذه الأمور مؤلمة وصعبة، لا يتوقعها المرء لكنها وقعت.. حصلت ولم يحاسب احد عليها أو حتى ينتقد بكلام، بل حدث العكس، كوفيء فرسانها بما لم يحلموا به، او لم يتوقعوه من ثروة وجاه واسماء كبيرة في الصفحات الأولى من الصحف المكتوبة.

رغم كل ذلك.. سألني صاحبي هل قرات حديث الرسول الكريم: “يأتي زمانٌ على النّاس الصَابرُ منهم على “دينِه”ِ كالقابِض على الجمر”. وقول الامام علي: “لا يعدم الصبور الظفر وإن طال به الزمن”!.

أجل يا صاحبي.. الصبر.. الصبر وقبض الجمر ولابد من الظفر.. وان تغيّرت الاحوال.

لقراءة النصوص الأخرى يمكن العودة إلى المدونة:
http://www.kadhimmousawi.blogspot.com


الوان عربية تأسست في 2009