أحدث الأخبار

التسريد التخييلي وفن صناعة العداوات/ ماجد الشّيخ

+ = -

التسريد التخييلي وفن صناعة العداوات

ماجد الشّيخ

ماجد الشّيخ

على الضد من السرد القصصي أو الروائي الفني، كما أنتجته قرائح المبدعين من الأدباء، وكما عرفناه وخبرناه على مر الأزمان؛ وفي اتجاهات من المغايرة، وبعيدا عن هذا النسق أو تلك الأنساق التي ألفناها وخبرناها، فقد تأسس التسريد التخييلي على الخرافة ومجموع الأساطير المؤسسة لأيديولوجيا السلوك العصابي والتعصبي،

والذهان الجمعي أو الجماعي الخاص بالقبيلة أو العشيرة، وعموما كما بالتمذهب السياسي أو الديني، كما الخاص بالطائفة أو بالمذهب الديني؛ مثل هذا التأسيس ما يني يشتغل راهنا كما في الماضي، وربما استمر كذلك مستقبلا؛ طالما أن هناك من يعمل على اختراع أو تصديق ومواصلة اختراع أساطير مؤسسة، يولدها من خرافات تسريد تخييلي، جرى تركيبه في أزمان قديمة، وعلى امتداد طبقات تاريخية وغير تاريخية تنتمي إلى حضارات سابقة لشعوب قديمة، عاشت أزمانها هي، لا أزمان من مر قبلها من شعوب، وإن عرفت بعض التطور في زمانها، وغرفت من القديم جديدها، في وقت لم يكن العقل يومها يميز بين التسريد الواقعي أو التخييلي، فكل تسريد يمكن أن يخلق أدلوجاته الخرافية وأساطيره المؤسسة لطبيعة السلطة؛ سياسية كانت أو دينية.

واليوم وإذ يستمر الساردون النسج على ذات المنوال القديم، مع إضفاء أكثر من طابع ينتمي إلى أشكال ومضامين من القداسة الزائفة على تسريدهم التخييلي، والمبالغة في أشكال ومضامين ذاك التسريد؛ فليس من المبالغة القول، أن عقلا يصدق ويصادق على تسريدات متخيلة، لا يقبلها التاريخ أو العقل المتحرر من التخييلات، أو التخيلات التي باتت أكثر انكشافا ووضوحا، في زمن نجد اليوم في سيمائه وطياته العديد من جوانب التطور والحداثة والعقلانية الراشدة.

ورغم ذلك يستمر التسريد التخييلي في إفقاد ألباب الكثير من الناس، الوعي والإدراك والنباهة والذكاء، في اندفاعة عصرية وحداثية، للإيمان بقداسات وتقديسات زائفة، والانضواء تحت جنح سلطة دينية أو سياسية، لم تصنعها الصدفة، بقدر ما صنعتها قوى التسلط بطوائفيتها المتخيلة، كما بتمذهباتها الأشد تسريدا تخييليا، ضاهت فيه أو تضاهت مع طبيعة السلطة، كما هي منذ القدم، لا تختلف عنها تلك التي تسود اليوم في عالمنا، ولذات المرامي والأهداف؛ تسريد تخييلي يهدف لتديين ما يراد تديينه، ولتطييف ما يراد تطييفه، ولمذهبة ما يراد مذهبته، وأخيرا لتسييس ما يراد تسييسه، وكل ذلك من أجل الصالح الشخصي والخاص، بسماته السلطوية والتسلطية، لا لمصالح عامة أو مشتركة، مواطنية أو وطنية وأممية.

ولهذا تذهب وقد ذهبت سلطات التسريد التخييلي، إلى ما يشبه الاتفاق على مأسسة إسكات وتغييب التاريخ، وجعله عاملا مضادا للوعي وللثقافة وللحضارة وحداثتها المعاصرة، وتجاهل الحقائق والوقائع وتزييفها، وإسكات كل من يريد الجهر بالحقيقة، وقد كان هذا الأسلوب سائدا منذ القدم، أي في وقت عاصر فيه الناس ما كان يجري تأسيسه مما جرى تقديسه فيما بعد، وآلت إليه السلطة المطلقة، وسلطات القوى الاستبدادية التي ورثت سلطانها وطغيانها من انعكاس وإضافة السلطة المطلقة إلى سلطتها هي، من دون حرج أو تردد، وها هي مثائلها الراهنة لا تتردد هي الأخرى في إضفاء ذاك الانعكاس والإضافة، بل والاستزادة في الطلب على السلطة المطلقة، من قبيل من ورط ذاته، أو من ورط تلك الذات، وجعل منها عجينة “السلطة الخليفية”، كما و”سلطة الولي الفقيه”، وسلطة القيصر، وصولا إلى “سلطة الأبد”، كما و”سلطة مدى الحياة”.

ولئن تكن السلطة في بلادنا هي منجم الثروات والمغانم، كما بدت وتبدو لنا اليوم بأوضح المعاني والصور؛ فقد شكلت السلطة قديما، المنجم “المقدس” الذي فاضت معانيه على الأديان جميعها، وما تفرع منها من مذاهب وطوائف، جميعها عملت على تأصيل تسريدات متخيلة خاصة بأصحابها، تكاد تفقد وقد فقد بعضها مع الوقت معظم المشتركات، بانفصالها وقطيعتها عن الأصل، حتى باتت السرديات والتسريدات المتخيلة، أكثر بكثير مما يزعم إنه الأصل أو الأصول.

هكذا جرى إسكات التاريخ الفلسطيني، من قبل لا تاريخية توراة العهد القديم، بتسريدات تخييلية لمجموعات من الكهنة، لعبوا وتلاعبوا بسرديات الأمم والشعوب التي عاشت على مسرح المنطقة القديم، وأضفوا عليها قداسات خاصة، جرى تحويلها مع الوقت إلى تسريدات تخييلية “مقدسة”. وهذا ما يراد لنا اليوم أن نصدقه ونصادق عليه، كي نخسر مرة جديدة تاريخنا الراهن، بذات الحيل والتسريدات المتخيلة؛ في وقت لم يثبت علم التاريخ ولا علم آثار ما تحت الأرض، ولا علوم ما فوقها أي جانب من جوانب المتخيل التوراتي بكل طبقاته القديمة والجديدة، من تلك التي انبنت عليها خرافات التسريد، وأساطير التدين، والتمذهبات الإطلاقية وتسريداتها اللاحقة التي لم يكن هدفها أن تكون أداة من أدوات الوعي، بقدر ما عملت واشتغلت على تغييبه وتدميره وتشويهه، وأنتجت عداوات فتنوية ما فتئت توقد نيرانها في كل الأماكن.

الوسم


التعليقات مغلقة.
استطلاع

هل تتم التهدئة ما بين اسرائيل وحركة حماس؟

View Results

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
اعلان
صدر حديثاً