أحدث الأخبار

في مسألة تأبيد لحظة السلطة / ماجد الشّيخ

+ = -

ماجد الشّيخmajed1

يشترط الديكتاتور على نفسه، كما الذين هيأوا له شرط استبداده، أن يكون الأول دائما؛ في السباق مع الحياة، ومع السياسة لجهة اتخاذ القرار أو صنعه، وفي خلق آليات متابعته ومن ثم تنفيذه. ولا يهم الديكتاتور كيفية التنفيذ أو توقيته أو مناسبته للظرف السياسي الراهن، فهو الصانع والمتدخل من أجل التهيئة لكل هذا، عبر قراءته الذاتية الغارقة دائما في النرجسية وسرديات البطولات الوهمية، وبالتالي فهو لا ولن يحتمل وجود الصعاب والتعقيدات التي تحول، أو قد تحول دون إنفاذ قراراته، مهما كانت أو تكن مناسبة، موضوعية، صحيحة، عقلانية، أو منافية لكل هذا.

بين الديكتاتور كفرد متوحد، خبر مدى سلطته وتسلطه، سياسيا كان أو صاحب سلطة دينية، والديكتاتورية كنظام “يتوحد” على وقع جوهر الروح الديكتاتورية لـ “الفرد الأوحد”، “عرس جماعي” دائم، تتهندس وتتقولب من أجله روح السلطة، وركائز قوتها وأدواتها القامعة، ويتقدس فيه “الفرد/العريس” الذي تتوجه إليه الأنظار كلها، في انتظار إشارة أو حركة أو لفتة منه، فعليه وعلى سلطته التي لا تحدّ، ينعقد رجاء “الأمة” وانتظاراتها “الغودوية”، بلا أمل في أن يتحول الديكتاتور إلى فرد ديمقراطي، وديكتاتوريته “الخالدة” إلى ديمقراطية مستنيرة، طالما بقي الاستبداد سيد السلطة الديكتاتورية المطاعة.

وإذا كان من دور للدولة في نشوء الديكتاتورية، فهو تغاضيها عن تكريس الديكتاتور لنفسه زعيما أوحدا، أو شق طريق نحو بناء ديكتاتورية نابليونية تجلت في مقولة “أنا الدولة والدولة أنا”، وها هي تحولات الدولة التركية تسفر عن نشوء دولة “أردوغانية” مماثلة نسبيا لتلك النابليونية مع الفارق الزمني والتاريخي بين هذه وتلك. كما كانت قد تحولت الدولة الإيرانية من قبل إلى دولة يحكمها “الولي الفقيه”،

من دون أن تبقى الدولة دولة، حيث بٌنى الدولة بكاملها وكامل مؤسساتها، تحولت إلى مجرد هياكل مفرغة من معاني ومباني الدولة الحديثة والمواطنة الديمقراطية.

المفجع اليوم في هذا العصر، ان الديكتاتوريات والأنظمة التوتاليتارية لا تقيم وزنا لأي من أساليب الحكم الديمقراطي واحترام المواطنة، ولا للدساتير والقوانين الموجودة شكلا، في حين أن الممارسة تخالف، بل تتناقض وماهية ما رسمه الدستور وأنظمة القوانين والبرلمانات التي لا تقوم بدورها لصالح منتخبيها، بقدر ما تشكل أغطية للحكومات الاستبدادية العسكرية والكهنوتية والأنظمة التي تقوم على خدمتها، لا على خدمة شعوبها.

في ظل هذه الممارسات السلطوية، نشأ الاستبداد ونشأت الديكتاتوريات، وفي طيات سلوكها برزت معالم ومظاهر “بدائل الشعب والأمة”، وحلت قوموية الديكتاتوريين والمستبدين، أنظمة وأشخاصا وطغما عسكرية واقتصادية ودينية محل المجتمعات، في ظل استحالة قيام الدولة، بل جرى الانقلاب إن لم يكن القضاء على فرص استمرار وتواصل الفضاء الليبرالي الذي نشأ في ظل الهيمنة الكولونيالية وانتدابات الدول الاستعمارية، وزال بزوالها. وفي ظل هيمنة “النخب الوطنية” امّحت كل إمكانات التطور والتغيير نحو الأفضل، وبدا النكوص عاملا من عوامل الارتداد والتخلف، وانحطاط قيم وأخلاقيات المواطنة، وتراجعها لصالح كل ما من شأنه أن شجع، وكان عاملا فاعلا للتمهيد لنشوء الاستبداد والديكتاتوريات الأهلية والمجتمعية والدولتية.

وهذا هو بالضبط، ما أسفرت عنه مرحلة الاستقلالات الشكلية أو الناقصة، التي ناقضت شرعية وجود الدولة/الأمة ومجتمعاتها الحيوية، البانية لا الهادمة لفرص التطور والتغيير، الحانية على حرية التعبير والاحتكام للسياسة وحرية العمل السياسي، لا تلك التي هيأت أو تهيء للعنف والارهاب والتطرف وتطليق السياسة، وانحطاط أو إنهاء الحياة السياسية، واستبدالها بالاستبداد نموذجا رائدا للسلطة وديكتاتورية الفرد والطغم والأوليغارشيات التي لا تقل استبدادا وديكتاتورية، لا سيما وهي تراعي مصالح الفرد الحاكم، وتحفظ له الود والمصلحة المشتركة وتبادل المنافع والمغانم وتقاسم الحصص والسمسرات والاستحواذ، ليس على السلطة

السياسية فحسب، بل وعلى معظم قطاعات الاقتصاد الوطني والتبادلات التجارية والاقتصادية مع الخارج.

في طيات كل هذا الخراب والتخريب، لا تعود الدولة دولة، بقدر ما تتحول إلى ملكية استحواذية خاصة، تفقد كل سمات الدولة، وماهيتها وماهية وظائفها وأدوارها المنوطة بها، فأي استبداد هو المستنير، وأي ديكتاتورية تلك الدافعة للتطور والتغيير؟

الاستنارة هي نتاج ثقافة عالية من العقلانية، وأعمال وإعمال العقل، والتسامح والأخلاقيات غير القابلة للمساومة، أما الديكتاتوريات السياسية كما الدينية، فهي تعاني مشكلة رئيسة مزمنة مع الحداثة، وهي إلى النكوص أقرب وأشد وقعا، في ظل إجادتها العابثة للعديد من فنون وأساليب الحروب والثورات المضادة المعادية للتقدم والاستنارة، علاوة على بغضها للمستقبل، وهي الأميل لـ “تأبيد” لحظة السلطة، ومنها تلك الأنظمة الدينية وشبه الدينية، الأكثر تشبثا بماض لن يعود أو يتكرر أو يكرر سردياته الخاصة.

الوسم


أترك تعليق

يجب عليك الدخول لترك تعليق.

اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°