مشروع فضيلة (على هامش الأزمة في سورية) _2_/ د. عدنان عويّد

أضيف بتاريخ: 08 - 06 - 2018 | أضيف بواسطة: admin | أضيف في: أبحاث ودراسات

مشروع فضيلة (على هامش الأزمة في سورية) 2

د. عدنان عويّدِ

د. عدنان عويّد

أما على المستوى السياسي وبخاصة الحزبي, فقد رحنا نلمس توجها لوضع من يتمتعون بعقلية دينية في المناصب السياسية الحزبية, والمراكز الثقافية, الأمر الذي فرض بالضرورة وجهاً دينياً للدولة والمجتمع والحزب معاً, لاقى فيه رجال الدين ومشايخه حظوة ومكانة لم يلقوها في كل عصور الدولة الإسلامية, حيث أصبح للعديد منهم مريديهم ومدراسهم, بالرغم من أن المرجعية العقيدية والفقهية واحدة تقريباً لهؤلاء, إلا أنها شهوة الوجاهة وسلطتها.

فالدين ورموزه من الماضي والحاضر أصبحوا هم أصحاب الكلمة والرأي والموقف السائد في الدولة والمجتمع, هذا في الوقت الذي راح يقصى فيه كما أشرنا قبل قليل أصحاب الفكر العلماني والعقلاني التنويري, ويشهر بهم داخل الحزب الحاكم وخارجه على أنهم كفرة وزنادقة, ومن رفع صوته منهم ناقداً مايجري من ممارسات خاطئة, أو مشيراً إلى ظواهر الفساد التي انتشرت عمقاً وسطحاً من الرغيف إلى الكلمة, اتهم بأنه ضد الدين والوطن والقومية العربية. يرافق هذا الموقف تهميش الفكر العلماني والفكر القومي والعقلاني على مستوى المؤسسات التعليمية, حيث همشت على سبيل المثال مادة الثقافة القومية الاشتراكية في جامعات القطر ومعاهده, حتى أصبحت عبئاً على المدرس والطالب معا, كونها تحولت إلى مادة مؤتمته, فلم يعد الطالب يهتم بها, إضافة إلى اقتصار تدريسها على الكادر البعثي فقط, الأمر الذي حول تدريسها إلى مسألة انتفاع مادي لا أكثر, فراح يدرسها أو يكلف بها من هم على درجة عالية من الأمية الثقافية. كما ضبطت مسألة الندوات الفكرية ولم نعد نسمع عن ندوات فكرية تدعو إلى التنوير والعقلانية, والالتزام بقضايا الجماهير وتنمية فكرهم, واقتصرت الندوات على المناسبات الحزبية والوطنية وفق خطة مدروسة وممنهجه, الهدف من إقامتها هو إحياء ذكرى أو مناسبة وطنية أو حزبية, وغالباً ما تؤدى بطريقة تسويقية يغلب عل عرضها الأسلوب العاطفي والشعاري, كونها تؤدى من باب رفع العتب لا أكثر.

إن كل هذه المأساة الفكرية التي جئنا عليها هنا, كانت وراء السبب الرئيس لتوجه هذا الكم الهائل من شباب القطر نحو الفكر الديني السفي الذي علمهم مشايخ قطرنا أنه هو الوحيد القادر على انتشال هذه الآمة من كبوتها, وانتشالهم معاً من براثن الفساد والبطالة, وتحقيق دولة العدالة والمساواة. لقد أوصلت المؤسسة الدينية عبر هذا الفكر بعلمهما أو بدونه الكثير من شباب سورية, إلى مرحلة عدائهم للدولة والحزب والوطن معاً, بحيث لم يعد الوطن هو انتماءهم الحقيقي بل العقيدة الدينية في توجهاتها الأممية, الأمر الذي أوجد شرخاً كبيراً ما بين المواطن والوطن والدولة, كان من أهم نتائجه تحميل حالة العداء هذه بعداً طائفياً استغلته قوى سياسية داخلية وخارجية (الإخوان والقاعدة ومن يدعمهم في الخارج), وقد كان لهذا التوجه واستغلاله, الدور الكبير في حمل السلاح ضد الدولة والوقوف مع الخارج وأعداء الوطن ضد الوطن بإسم الدين.

لقد تربى شبابنا في مؤسستنا الدينية على الفكر المتطرف, فلم يعودوا يعرفوا قائداً لهم إلا الرسول محمد, فراحوا يرددون في هذه الأزمة : (قائدنا للأبد سيدنا محمد), وهو الشعار الذي طرحه (حسن البنا- الرسول زعيمنا), كما طرحوا شعار (الحاكمية لله), وشعار القاعدة الأممي (لاإله إلا الله, محمد رسول الله), وهذه شعارات كلها لا تميز بين مسلم وآخر من أية دولة كانت في العالم, كما أنها شعارات تقف ضد أنظمة الحكم الوضعية, وتعتبرها أنظمة كافرة وملحدة وعلمانية وجاهلية يجب أن تحارب وتسقط بحد السيف أو قوة السلاح…

نعم منذ ثمانينيات القرن الماضي والمؤسسة الدينية الرسمية في سورية تربي أجيالاً من الأصوليين التكفيريين الذين تربوا على فكر من قمنا بذكرهم سابقاً من رجال الفكر السلفي التكفيري وفرقتهم الناجية ومعهم فكر الكثير من مشايخ سورية المعاصرين الذين يحاربون العقل على حساب النقل, ويدعون إلى الانتماء للعقيدة بدل الوطن, وللجماعة الإسلامية بدل المواطنة, وعلى رأسهم الشيخ البوطي زعيم هذا التيار السلفي في سورية الذي لم يكن فكره يختلف عن فكر الوهابية السلفي, وهو الذي كان يأخذ مباركة وشرعية الشيخ “عبد العزيز الباز”, والمجمع السعودي لدار الإفتاء عند إصدار بعض كتبه, كما جرى معه عندما أصدر كتابه ( الإسلام ملاذ كل الجماعات الإنسانية), وأرسل إلى الشيخ الباز بعلم وزير الأوقاف نفسه, – بعد أن مجد دور الباز في نشر الدين الصحيح والحفاظ على طريق أهل السلف الصالح -, نسخة من هذا الكتاب يطلب فيها رأيه ورأي المجمع الديني السعودي للإفتاء فيما جاء من أفكار تتفق مع الخط العام للفكر السلفي الوهابي. (راجع رسالته إلى الباز في مجلة ” نهج الإسلام” السورية, العدد /23/ آذار, 1986, ص 40 وما بعد). أما بالنسبة لموقفه من القومية العربية, ففي مقال له بعنوان )حقائق عن نشأة القومية), صادر بكراس مستقل عن لجنة مسجد جامعة دمشق- قسم النشر (41), 1963 .يكتب البوطي عن القومية ودعاتها وارتباطاتهم بالماسونية والصهيونية والاستعمار, سأقتبس منها بعض أفكاره وأترك للقارئ أو المهتم العودة إلى هذا المقال ليتبين موقف البوطي ومن يقف معه ويتبنى فكره مدى كرههم للعروبة والقومية العربية.!.

يقول البوطي في هذا الكراس: (وإننا لو رجعنا واستقرأنا تاريخ دعاة القومية في بلادنا فإننا لن نجد صعوبة في كشف تآمرهم على بلادهم وقومهم, وبروز حقيقتهم سافرة وهي أنهم عملاء للاستعمار بكل ما في هذه الكلمة من معنى….( ويتابع في النص ذاته) قوله: إن مقدمة نشأة القومية في عالمنا الإسلامي تبدأ مع بدء التجمع الصهيوني وسعيه استلاب فلسطين…ويقول في مكان آخر: .. إن كلا القوميتين (ويقصد العربية والطورانية), اتجهتا في الهجوم على عدو واحد ليس له أي شأن في الأمر, ألا هو الخلافة الإسلامية المتمثلة في السلطان عبد الحميد.). كما يدفعه هذا الاعتقاد إلى نزع الأخلاق عن العرب قبل الإسلام وعن العروبيين المعاصرين كما ذكر في إحدى حلقاته التي تبث على قنوات التلفاز السوري وهي بعنوان, (لن يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) حيث يقول: (إنا العرب ليس لديهم أخلاق قبل الإسلام, وإن القوميين العرب الذين يقولون بأن العرب كان لديهم أخلاق قبل الإسلام هم كذابون.). هذا في الوقت الذي يُعتبر فيه حزب البعث الذي احتضنه حزبا عروبياً, وهو المنادي بالآمة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة.

هذا وللشيخ البوطي ذاته زعيم التيار الديني في المؤسسة الدينية السورية, في مكان آخر موقف معاد للعلمانية أيضا أكثر خطورة على الدول والمجتمع, ففي كتابه (العقيدة الإسلامية والفكر المعاصر), وهو كتاب مقرر لطلاب الشريعة في جامعة دمشق:

يقول عن العلمانية متبنياً رأي دار الإفتاء الوهابية في السعودية ذاتها حول العلمانية: ( أما الدين الإسلامي فيحوي في أصله إلى جانب مبادئ الاعتقاد, والأحكام التي تضبط شؤون الدولة وتتكفل بإقامة أنظمتها وقوانينها, فحجزه عن ممارسة صلاحياته ومسؤولياته, ففي ذلك تغيير لجوهره وإبطال لكثير من مضمونه… ). ثم يتابع ناعتاً من يؤمنون بالعلمانية ضمناً, ويتقربون إلى الإسلام قولاً, قائلاً: (إن التظاهر بالخضوع له – أي الدين – بعد ذلك كذب عليه ومخادعة له ولمشرعه.). وهو في هذه الموقف الفكري يواجه النظام السوري ذاته الذي يقول بالعلمانية ويعتبرها احد المكونات الأساسية للنظام. بل هو لم يتوان أمام اعتبار الإسلام بداية ونهاية كل شيء, أن يدعو للحاكمية بشكل مباشر, انطلاقا من هذه المواقف المعادية للقومية والعروبة والعلمانية التي كانت تبث في السر والعلن, تبين بشكل واضح إن كل ما جرى في سورية من قبل هذه المؤسسة الدينية والعديد من مشايخها, قد ربى أجيالاً من الشباب السوريين لم يعرفوا حب الوطن ولا المواطنة, وهذا ما أفقدهم الرحمة أو الشفقة الإنسانية تجاه وطنهم وأبنائه… فكان سلاحهم الساطور والسكين والفأس والطلقة ضد كل من يختلف معهم فكرياً أو عقيدياً أو مذهبياً… أجيال تجيد سرقة وتدمير ممتلكات الوطن والمواطن, والحلم بلقاء حور العين ونكاح الجهاد, والادعاء بأنهم هم أصحاب الفرقة الناجية, ومن يخالفهم كفرة وزناديق تُحلل داؤهم وأموالهم واكل أكبادهم.

نعم.. هذا ما تربت عليه أجيال عديدة في سورية تحت إشراف المؤسسة الدينية, وما يجري في سورية اليوم من دمار وقتل وانتهاك للعرض والمال العام والخاص, يؤكد ذلك. وهذه الأجيال هي ذاتها من استقبل المهاجرين من داعش والنصرة والقاعدة من كل أنحاء العالم, وحضنهم كأخوة لهم في العقيدة يعملون معاً لتطبيق مشروع دولة الخلافة المنشودة التي وعِدوا بها, وبأنها ستبدأ من بلاد الشام.

هذه هي الحقيقة, وكل من يقول غير ذلك هو يضحك على نفسه وعلى الحقيقة والدين نفسه, أو هو كالنعامة التي تحاول إخفاء رأسها, بينما عورتها فرجة للآخرين.

إذا أربعون عاماً من سيادة الخطاب الديني السلفي الذي يعتبر امتداداً للخطاب الديني القروسطي, يمارس في الساحة السورية الدور نفسه الذي كان يمارسه في تلك القرون الماضية من محاربة للعقل والفكر العقلاني ودعاته… أربعون عاما منذ أحداث ثمانينيات القرن الماضي وهو يمارس وينشر الفكر الجبري الشمولي والتكفيري بين أجيال الشباب السوري, وهو الفكر الذي تم التغاضي عنه بعلم أو بدونه من قبل السلطة المعنيّة والحزب الحاكم مع تشويه فاضح للقوى التقدمية وأحزابها, ولدعاة الفكر التقدمي في الدولة وداخل صفوف البعث الحاكم نفسه, بوصفهم كفاراً وملاحدة ومارقين, حتى استطاعت هذه الأيديولوجيا الدينية السلفية بممثليها من مشايخ ورجال دين أن تنحي إلى حد بعيد كل أشكال التعبير والأنساق المعرفية الثقافية التنويرية الأخرى من فلسفة وموسيقى ومسرح وغناء ونحت وسينما.. وغير ذلك من نشاطات وأعمال إبداعية تقدس الحياة وفرحها, وتدعوا الإنسان لأعمارها وتنمية وتطوير نفسه كإنسان خلقه الله خليفة له عليها. بل إن رجال الدين هؤلاء قد سعوا عبر دروسهم في الجوامع أن يعملوا على احتواء (العلم) الوضعي ضمن المنظومة الدينية والفقهية السلفية, واظهار بأن كل العلوم من فيزياء وكيمياء ورياضيات وعلوم اجتماعية وأخلاقية …إلخ, هي علوم لا تخرج إلا من علوم القرآن الذي لم يفرط في شيء, لذلك بدأت تروج تلك المفاهيم والأفكار وحتى الكتب, التي تقول بأن كل ما يكتشف من علوم هو موجود في القرآن, وما دور الغرب وعلمائه إلا اكتشافها فقط, وهنا حول بعضهم القرآن إلى كتاب فيزياء,( راجع حول موقف رجال الدين ودورهم التخريبي في سورية كتاب – ثقافة إقصاء الآخر – للكاتب علي عثمان – اصدار دار التكوين –دمشق- 2004). هذا دون أن ننكر أن هناك بعض رجال الدين العقلانيين الذين أرادوا تطوير الفكر الديني وعقلنته, ومحاولة تفسير نصوصه بما يخدم حركة الواقع وتطوره إلا أنهم حوربوا من قبل من يسيطر على المؤسسة الدينية الرسمية من جبريين ومتصوفه. كما ذكرت الداعية “أسماء كفتارو ” في مقابلة لها على قناة الميادين. في أواخر العام 2014.

من هنا نجد أن الفكر الديني الجبري الذي تشرف عليه المؤسسة الدينية الرسمية في سورية قد شكل عبر أربعة عقود أجيالاً مهزومة فكراً وممارسة.. أجيالاً لا تعرف الانتماء للوطن, ولا تقدر قيمة المواطنة, ولا تهمها الحياة بقدر ما تهمها الاخرة.
من هذا المنطلق يُطرح علينا السؤال التالي: ترى, بعد أربعين عاما من عمل هذه المؤسسة الدينية تجاه شبابنا والكثير من مواطنينا, وما قامت به هذه الأجيال الشابة من قتل وتدمير وسفك للدماء وكره وحقد على الاخر المختلف وعلى الوطن ذاته, واحتضان للمهاجرين العرب والأجانب الذين يشاركونهم الفكر الجبري الإقصائي التكفيري, الذي دمر كل شيء في سورية بإسم “الحاكمية لله”, أين كانت هذه المؤسسة عن مشروع (فضيلة) الذي تطرحه اليوم؟, وهل ما يتضمنه هذا المشروع من رؤى وأفكار تدعوا إلى التمسك بالأخلاق المحمدية (وأركز هنا على تركيز هذه المؤسسة اليوم على الأخلاق المحمدية..) .. لم تكن تُعَلِمُهُ كل تلك السنين الطويلة لشبابنا ومواطنينا؟.

عموماً, من خلال متابعتي (لقناة نور الشام) وبعض النشاطات المحمومة التي تقوم بها المؤسسة الدينية ضد ما يجري في سورية من مجازر, محاولة عبر هذه النشاطات تبرئة نفسها من كل ما جرى ولم يزل يجري في سورية بإسم الدين, أريد أن أأكد على مسألتين أساسيتين هنا وهما:

الأولى: إذا كانت الدولة ممثلة بأصحاب قرارها لم تزل تثق بهذه المؤسسة ودورها للخروج من هذه الأزمة (فكريا), فعلى سورية السلام, وأنا أبشر باستمرار هذه الأزمة, وإن كانت ستنتهي من الناحية العسكرية, فهي ستعود مرة ثالثة, وإن عادت فستكون نهاية الوطن وتذريره أو تقسيمه طائفياعلى يد أصحاب مدرسة الفرقة الناجية الدينية لأشعرية السلفية التكفيرية.

الثانية: إذا كان الكثير من رجال الدين ومشايخ هذه المؤسسة يريدون اليوم بمشاريعهم العملاقة (فقه الأزمة- ومشروع فضيلة) تجاوز هذه الأزمة,, فأحب إن أقول هنا: إن سلوكيات الناس لا تقوم على الوعظ والدعاء, فهذه لوحدها لاتحرك أصغر نبته في الأرض, وإنما الذي يحرك الناس وتاريخهم, إلى الأمام, هو أولا: تغيير الظروف الموضوعية والذاتية التي ساعدت على بروز هذه الأزمة, ويأتي في مقدمتها بالنسبة للمؤسسة الدينية الرسمية في سورية, الفكر الذي يحرك العقول, وخير ما يجب التأسيس له فكرياً هو نشر الفكر الديني القادر على التعامل مع الواقع وقوانينه, أي الفكر الديني العقلاني الذي يستطيع أن يكتشف القوانين التي تتحكم في آلية عمل هذا الواقع والتحكم بها وتسخيرها علمياً لمصلحة الإنسان والمجتمع. لذلك فإن ما تقدمه حتى اليوم للمواطن السوري والعربي عموماً وخاصة عبر قناة نور الشام, من قضايا فكرية تتعلق بـ (العقيدة ), هو ما يخالف هذا التوجه العقلاني الذي أمركم أو وجهكم به السيد الرئيس, إن ما تقدمه هذه المؤسسة الدينية هو في جوهره لا يخرج عن توجهات شيخ مدرستها الراحل (البوطي) , الذي يحارب العقل إرضاءً للنقل, ويحارب الوطن والعروبة إرضاءً للجماعة الإسلامية وخلافتها العثمانية الموهومة. وفي هذا السياق بالذات أريد الوقوف هنا عند مسألة على غاية من الخطورة وهي: تقديس بعض الشخصيات والخوف من نقدها, تحت ذريعة أن السيد الرئيس قد احترمها وأولاها يعض اهتمامه, ومنها شخصية الدكتور (محمد سعيد رمضان البوطي).

إن السيد الرئيس انطلاقاً من موقعه الرئاسي, كثيراً ما يولي بعض الشخصيات اهتمامه لمواقف معينة تبدر من هذه الشخصية أو تلك لاعتبارات وطنية أو قومية يقدرها هو من موقعه الرئاسي, بيد أن السيد الرئيس لا يمنح هذا الشخص قداسة وفرض احترام الآخرين لكل ما يقوله أو يمارسه حتى ولو تناقض ذلك مع مصلحة الوطن والمواطن. فبعض الأشخاص أولاها السيد الرئيس اهتمامه ومنحها ثقته وكلفها في مواقع قيادية هامة في الدولة والحزب, إلا أنه تبين عبر الممارسة أنها متخاذلة وفاسده, بل وبعضها خائنة تركت الوطن والتحقت بالمعسكر المعادي له. وهذا في الحقيقة ما أريد الاشارة إليه حول شخصية السيد البوطي, الذي راح كل مسؤول في سورية يقدسه ويخاف من نقد أفكاره تحت ذريعة أن السيد الرئيس يحترمه. فدعونا نعرض في عجالة بعض أفكار الشيخ البوطي التي كانت تدرس في الجامعة, وتعطى في الحلقات الخاصة به تحت رعاية وإشراف المؤسسة الدينية والإعلامية الرسميتين, وتبث على كل القنوات السورية, ويخصص لها أوقات حية في المشاهدة, لنشرها وتعميمها على المواطنين. هذا مع تأكيدنا على أن الشيخ البوطي عندما قتلته المعارضة السلفية المسلحة وهو يحاضر في فكره السلفي, لم تقتله لأنه موالي للنظام, فهم يعرفونه أنه من التيار (المدخلي), وهو التيار السلفي الذي يقر بضرورة عدم الخروج على السلطة, خوفاً من الفتنه, لذلك عندما حقق مع من قتلوا “البوطي” قالوا: بأنهم قتلوه لأنه أدخل الفكر الصوفي في الفكر السلفي.

أما أهم أفكارالشيخ البوطي السلفية المنافية للعقل وفتح باب الاجتهاد, فهي:

1- هو أشعري/ حنبلي في انتماء الفكري, والأشاعرة لا يعترفون بإسلام إلا من هو من أهل السنة والجماعة, وهم الفرقة الناجية, ولو أن من يعمل في المؤسسة الدينية الرسمية من أتباعه, لا يظهرون هذه المسألة بشكل مباشر, ويمررونها تحت شعار (الإسلام الوسطي) الذي يقولون عنه بأنه يحترم الآخر.. والآخر هنا هم بقية المذاهب والفرق الإسلامية الأخرى, وأصحاب الديانات السماوية, وغيرها من ديانات المكوّن السوري, الذي تبين في هذه الأزمة كيف احترم أصحاب هذه المذاهب والفرق والديانات, من قبل أصحاب الفرقة الناجية, إن كان على مستوى تدمير كنائسهم ودور عبادتهم, أو سرقة أموالهم وفرض الجزية عليهم وتقطيع أوصالهم وأكل أكبادهم.

2- هو من يحارب الفكر العقلاني والتنويري والعلماني, ومن يراجع كتابه المقرر دراسته في كلية الشريعة جامعة دمشق. وقد أشرنا إليه قبل قليل.

3= هو من الذين يدافعون عن النقل في مواجهة العقل, وأن الدين لديه هو دين الفطرة والغريزة, وما دعوته غالبا لا ستخام العقل, إلا من باب تثبيت النص الديني وليس للحكم عليه, فالله عز وجل هو من شرع وفرض الأحكام وحدد مصائرها في اللوح المحفوظ, وما على الإنسان إلا تثبيت هذه الأحكام والتشريعات كونها من عند الله, والله الذي خلق هذا الكون والإنسان منه, والله وحده الأدرى بشؤونه وتحديد ما ينفعه ويضره, وقد حدد بنصوص القرآن الكريم والسنة النبوية وتفسيرهما من قبل السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين حتى القرن الثالث للهجرة .

4- هو يرفض السببية في الظواهر, وهذا يعني رفضه القوانين التي تتحكم بسيرورة وصيرورة هذه الظواهر, فهناك قدرة واحدة فقط هي من يتحكم في آلية وعمل هذه الظواهر هي الله, وما دور الإنسان إلا كشف هذه الظواهر, أما كيفية عملها والتحكم فيها وتسخيرها لمصلحة الإنسان, فليس للإنسان دور في ذلك, وما نظرية الكسب الأشعرية التي يبشر بها إلا لتأكيد ما جئنا عليه.

5- هو يعتبر أن الدين الإسلامي هو الدين الصحيح فقط وما عداه لا.. لذلك كثيراً ما يشير في دروسه وحلقاته التلفزيونية, كيف أسلم ذاك العالم أو المفكر المسيحي الغربي, وتخلى عن مسيحيته, وهذا يتنافى مع موقف الوحدة الوطنية في سورية التي يشكل فيها المسيحيون مقارب14% من مجموع سكان سورية.

6- هو يعتبر العقيدة الإسلامية والجماعة الإسلامية هما الانتماء الحقيقي للفرد المسلم, وبالتالي هو في المضمون ضد المواطنة. يضاف إلى ذلك هو ضد العرب والعروبة, كما أشرنا قبل قليل.

7- هو ممن يهدر تاريخية النص ويرفض تفسيره وفقاً لخصوصية سبب النزول, وذلك انطلاقاً من المقولة الفقهية التي يمارسها الإسلام السياسي والقائلة : (العبرة في عموم اللفظ وليس في خصوص السبب), ولكن ليس النظر في هذه اللفظ وفقاً لروح العصر, أي فتح باب الاجتهاد والبحث في هذه النصوص الدينية عما يخدم قضايا العصر, وإنما الأخذ فقط بما فسره وأوله السلف الصالح بناءً على عموم اللفظ, وما فهموه هم في عصرهم الذي تجاوز الزمن الكثير من قضاياه. وبالتالي فالنص في تفسيره الذي قدمه السلفيون الأوائل كالسيوطي والطبري والطبراني وغيرهم, هو ذاته المقرر والثابت في دلالاته عنده, وهو بذلك قد أغلق النص على تطور الواقع في قضاياه الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفكرية.

8- هو من الذين يؤمنون بقضايا الأسماء والصفات, ومن يقولون أو يؤمنون بالصفات العقلية, وينكرون كشيخه أبي موسى الأشعري الصفات الشكلية أو الظاهرية, وهو هنا يدخل الدين ومعتنقيه في قضايا عقيدية لاتغني ولا تسمن من جوع, بل على العكس يدخل الكثير من أجيال الشباب المؤمن في صراعات فكرية وخلافات تؤدي إلى تكفير بعضهم بعضاً, بدلاً من العمل على وحدة الصف لدى المؤمنين, عبر التركيز على القضايا الجوهرية في الدين. لذلك نقول في هذا الاتجاه: إن الشيخ البوطي ومدرسته الأشعرية الرسمية في سورية يعملون على تحويل علم الكلام بأنساقه ومنظوماته المتعددة, إلى بنية فكرية ذات ترتيب منطقي صوري, يعطي للإلهيات أسبقية وجودية ومعرفية على الإنسانيات, وهذا هو موقف المنظومة الأشعرية السلفية التي تقوم في أساسها على هذا النسق المعرفي الذي منطلقه (قياس الشاهد العياني على الغائب), والعودة بالتالي إلى مقولة الشافعي وابن حنبل : (كل جديد بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.).

هذه بعض المعطيات الفكرية للخطاب الديني التي يقول به الشيخ البوطي, والكثير من اتباعه في المؤسسة الدينية الرسمية في سورية.

والسؤال المشروع هنا أيضاً : أليست هذه المعطيات الفكرية هي ذاتها المعطيات الفكرية التي تقول بها الوهابية عدا مسألة الصفات التي يقر الوهابيون بأن الله له كل الصفات العقلية والمعنوية, ولكن ليس كمثله شيء, وعلينا الإيمان بها كما وردت في القرآن دون تأويلها أو تفسيرها أو حتى إبداء أي إحساس عاطفي أوجداني نحو دوالها؟. ثم أليس هذا الفكر الذي تروج له المؤسسة الديني ولم تزل حتى اليوم عبر قناة (نور الشام), وحلقات دروس الجوامع المتعلقة بـ (العقيدة), هو الفكر ذاته الذي استقبل ممثلاً بحوامله الاجتماعية من السورين المتدينين الذين حملوا السلاح ضد الدولة, واستقبلوا آلاف المهاجرين من كل دول العالم لقتال السوريين وتدمير الدولة السورية ولحمتها الاجتماية؟.

ختاماً نقول إن ما لمسناه من قيم أخلاقية رديئة عند الكثير من المواطنين السوريين, إن كانوا ممن حملوا السلاح ضد الدولة باسم الدين, أو من الموالين من التجار وغيرهم الذين تاجروا بكل شيء من أجل مصالحهم الخاصة في هذه الأزمة باسم الوطن والوطنية, وبخاصة علينا نحن أبناء ديرالزور الذين حوصرنا من قبل داعش, يؤكد بأن القيم الأخلاقية قد وصلت إلى درجة الصفر في وطننا, وأن كل الدروس التي كانت تعطى في الجوامع ودور تحفيظ القرآن لم تجدِ شيئاً, وبالتالي فإن مشروع “فقه الأزمة” بشكل عام, ومشروع “فضيلة” بشكل خاص لن يُجديا شيئاً ولن يغيرا قيم الفساد الذي استشرى خلال تلك السنين الطويلة رغم وجود (23) ألف جامع وما يقارب (60) ألف داع وداعية في سورية.

إن سورية ممثلة بمن يقودها في المرحلة الحالية أو اللاحقة, عليه أن يدرك بأن الفكر العقلاني والتنويري والعلماني هو الفكر الوحيد القادر على تغيير العقول وتحريكها نحو الوطن والمواطنة, وإن دولة متعددة الطوائف والمذاهب والديانات لا تحل قضاياها المصيرية بمشروع فضيلة ولا بتدخل الدين في كل صفيرة وكبيرة من حياة الإنسان, فقناة (نور الشام) على سبيل المثال هي اليوم تشكل حصان طروادة للفكر السلفي المؤمن بالفرقة الناجية, لذلك إما أن توقف هذه القناة عن البث, أو يسمح لكل المكونات الدينية السورية بفتح قنوات لها ايضاً. (فنور الشام) ليست أفضل وأكثر دلالاً في سورية من (نور السويداء) أو (نور اللاذقية), أو (نور السلمية), أو نور (السيد المسيح).

دعونا يا هؤلاء إذا أردنا أن نحقق الفضيلة في مجتمعنا ان ننظر بمصداقية إلى الأسباب التي دفعتنا إلى طرح هذا المشروع… أن ننظر في الدوافع السياسية والاقتصادية والثقافية التي أدت إلى ما نحن فيه من فوضى وما يرافقها من قتل وتدمير.

إن طرح مشروع فضيلة في الصيغة التي يبشر بها القائمون على المؤسسة الدينية لدينا, هو ليس أكثر من أوهام أيديولوجية, إن لم أقل شعوذة فكرية, فمشروع فضيلة الحقيقي هو المشروع الذي يطالب بتغيير الواقع ذاته الذي أفسد الفضيلة عبر عقود طويلة من الممارسات اللاعقلانية في حياة الدولة والمجتمع, وأقصى الآخرين عن المشاركة الحقيقية في إدارة الدولة والمجتمع. هو المشروع الذي يجب أن يطالب بدولة القانون وحرية الرأي والصحافة واحترام الآخر, وتكريس المواطنة, هو المشروع الذي يطالب بفتح باب الاجتهاد والفسح في المجال واسعا للعقل وحرية الإرادة, هو المشروع الذي يطالب بأن تقام احتفالات لذكرى فلاسفة العقل

في التاريخ الإسلامي كابن رشد والفارابي وابن حزم وغيره, لا لبن عربي وغيره ممن يحارب العقل والفلسفة ويعتبر أصحاب العقل زناديق وكفرة.

ملاك القول: من أجل سورية وعدم العودة إلى صراعاتها الدينية الطائفية, فقضاياها المصيرية لن تحل إلا بالديمقراطية والعلمانية. فالديمقراطية بدون علمانية, ستحول البلد إلى كنتونات طائفية وعشائرية وقبلية ومذهبية… وعلمانية بدون ديمقراطية حقيقية, ستحول العلمانية في يد السلطة إلى شعار براغماتي تعمل من خلاله على خلق تسويات اجتماعية وسياسية وثقافية تصب في مصلحة السلطة فقط وليس في مصلحة الشعب… يحب الربط العميق بين الديمقراطية والعلمانية, فمن خلال هذا الربط سيعرف الجميع أن الوطن للجميع, وأنه هو الانتماء الأول الذي يعمل من أجله الجميع ويشارك في بنائه وتنميته الجميع… أما الدين فهو لله, والله في كل دياناته يدعوا إلى المحبة والألفة بين الناس… ألم يخلقنا قبائل وشعوباً لنتعارف؟. ثم أليس أن لا فرق بين الناس, كل الناس إلا بالتقوى… وألم يكن حب الوطن من الإيمان…فاليكن حب الوطن هو مصدر إيماننا جميعا.

كاتب وباحث من سورية
d.owaid333d@gmail.com


الوان عربية تأسست في 2009