الاعتراف الجديد يتطلب المحاكمة والعدالة/ كاظم الموسوي

أضيف بتاريخ: 07 - 06 - 2018 | أضيف بواسطة: admin | أضيف في: قضايا وملفات

الاعتراف الجديد يتطلب المحاكمة والعدالة

كاظم الموسوي

كاظم الموسوي

ما نقلته وكالات الانباء مؤخرا عن صحيفة بولتيكو الامريكية عن اعتراف السناتور الأمريكي جون ماكين في كتاب مذكراته الجديد، بأن حرب العراق كانت خطأ وأنه يتحمل جزءا من اللوم بسبب ارتكابها، يقدم دليلا واثباتا منه لمشاركته في الجريمة التي اقترفت ضد الشعب العراقي والمنطقة.

ونقلت الصحيفة عنه، إن “الحرب في العراق التي ناديت من أجل إطلاقها لا يمكن الحكم عليها على أنها أي شيء آخر سوى أنها كانت خطأ، وخطأ خطيرا جدا، ويجب أن أتحمل نصيبي من اللوم عليها”. وتابع ماكين في كتابه أنه يدرك أن السبب الرئيس لغزو العراق عام 2003 وهو أسلحة الدمار الشامل لدى صدام حسين “كان خطأ”، مشيرا إلى أنه لم يكن هناك من داع لـ”إزهاق الأرواح والإخلال بالأمن”. فهل بعد كل هذا الاعتراف من حاجة إلى إقرار شخصي او رسمي من إدارة ومؤسسات اقترفت جريمة غزو واحتلال وتدمير بلد لم تثبت أية اتهامات عليه، من قبيل الإدارة الأمريكية واجهزتها العسكرية؟!. بل يضيف اعتراف ماكين بالذات دليلا اخر للعديد من الاعترافات المشابهة التي سبقته، سواء من أركان الجريمة، او من أطراف شاركتها فيها وشاهدت الان كارثتها.

وأشارت الصحيفة إلى أن ماكين كان من أشد المتحمسين لغزو العراق حتى بات واضحا لديه أن نية الولايات المتحدة المعلنة بإحلال الديمقراطية “المزعومة” في العراق لم تكن غير واقعية فحسب، بل كانت ستودي بمئات الآلاف من الأرواح(!).

اعتراف جديد عن الجريمة التي مازالت تداعياتها ترن في الرؤوس ودماء الضحايا لم تجف بعد. وياتي الاعتراف الجديد من مسؤول امريكي كما سجلت الصحيفة كان من أشد المتحمسين لارتكاب الجريمة اضافة مؤكدة، رغم أنه لم يكتف بما قام به جيشه من كوارث دموية في العراق والمنطقة وما خطط له البنتاغون وباقي أجهزة ومؤسسات الولايات المتحدة الأمريكية، حيث استمر هو بالذات في تعميم الجريمة وتجسيد المآسي عمليا، واسهم في تنفيذ الخطط الاستعمارية العدوانية، بما فيها تأسيس عصابات الارهاب ومدها بكل ما تحتاجه من أسلحة وخدمات إعلامية وتسهيلات عبور وتجميع واعداد وترهيب، من ضمنها ما سمي اعلاميا ” داعش” وامثالها، والصور التي نشرها دليل عليه وشاهد لا يمكنه انكاره. فضلا عن ادعاءاته بحماية الاقليات القومية وتشجيعها على الانفصال وتقسيم البلدان التي ابتليت بغزو جيوشه وحرب إدارته وقرارات كونغرسه.

وقال ماكين الذي يعاني من مرض خطير (سرطان الدماغ): “لقد خرجنا من حرب فيتنام واقتنعت بصراحة أننا قادرون على النصر في حرب العراق وفعلنا ذلك، انتصرنا في حرب العراق بعد اتباع استراتيجية زيادة عدد القوات، وضحيت من أجلها بكل شيء بما في ذلك طموحاتي الرئاسية”.

وأشار ماكين في مذكراته إلى معارضته للرئيس الأمريكي دونالد ترامب في كثير من قراراته ومنها تعيين جينا هاسبل لرئاسة وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، التي أثارت عليه تعليقات من موظفي الإدارة. وذكر انه حث زملاءه أعضاء مجلس الشيوخ على رفض ترشيح هاسبل لمنصب مدير وكالة الاستخبارات المركزية بسبب تاريخها وضلوعها في عمليات تعذيب السجناء والمعتقلين.(!). هل هذا الاعتراف صحوة ضمير لرجل مثله وهو يعلم الآن أنه في ظرف صحي خطير؟!، وحتى مرضه وتصريحاته بعد اعلانه اصبحت موضوع اعتراض وجدل، أو استغل في التعليق عنه. واذا كان هذا وحده اثار ما أثار فماذا يقول هو وغيره للضحايا والأيتام والثكالى والخراب والدمار بسبب غزو واحتلال البلدان وما نتج عنهما وشاهده بعينيه، وخاصة دوره في كل ما حصل وعمله في نتائجها.

منها ما قامت به أسرته وأعضاء في الكونغرس من تنديد بتعليقات طالته شخصيا مستغلة إصابته بالسرطان الخطير، وخصوصا تلك الصادرة عن موظفة في البيت الابيض نقلت عنها تقارير القول إن المعارضة التي يبديها ماكين للشخصية التي رشحها الرئيس دونالد ترامب لادارة وكالة سي. آي.إيه “ليست بالأمر المهم” لأنه “سيموت بأي حال”. فأثار هذا التعليق ما أثار من تصاعد غضب وسط صفوف الحزبين، الجمهوري والديمقراطي، اذ رفض البيت الابيض تقديم اعتذار أو الاعتراف بأن التعليق الذي نسبته وسائل إعلام أمريكية إلى كيلي سادلر العاملة في فريق الاعلام التابع لترامب صدر في الأساس.

وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد سخر من جهود ماكين في الحرب وصرح خلال حملته الانتخابية “يعجبني الاشخاص الذين لا يتم القبض عليهم”. وهو يقصد بقوله هذا لما تعرض له ماكين خلال خدمته في حرب فيتنام من أسر.

انتخب ماكين في مجلس النواب للمرة الأولى عام 1982، وشغل منصب سناتور منذ العام 1987. وترأس لجنة القوات المسلحة النافذة في مجلس الشيوخ، ورشح الى الانتخابات الرئاسية ولم يفلح. وقد أدى وضعه الصحي مؤخرا إلى تراجع دوره في الكونغرس. وصولا الى طلبه او توصيته بعدم مشاركة ترامب في تشييعه. واعتبر طيلة عمله التشريعي من ابرز صقور السياسة الامريكية التي أدت إلى ما حدث من ارتكابات وتجاوزات في العلاقات الدولية والقانون الدولي وميثاق الامم المتحدة. وهو في اعترافه الاخير والجديد يزيد في ملف الاعتراف الذي ينبغي أن يقدم الى المحاكمة القانونية والاخلاقية، هو ومن سبقه من اصحاب القرار السياسي، من الرئيس الأسبق بوش الثاني إلى رئيس الوزراء البريطاني الاسبق طوني بلير وامثالهما، الذين أصدروا الأوامر وقرروا الحرب والعدوان، وحملت رقابهم أرواح الملايين من الضحايا في البلدان التي شنوا عليها غزواتهم وكبدوا أبناءها ما عانوه وما خسروه. ان ثمن ما قرروه كبير، وعليهم وعلى حكوماتهم الإقرار به وتعويض الشعوب ولإعمار ما خرب والإعتذار الاخير عن ما اقترفت أيديهم من جرائم حرب وضد الإنسانية وابادات مسجلة في سجلات التاريخ وعقابه الابدي.

اما ماكين وقد اعترف بالجريمة فهل يكفي أن يحمّل نفسه اللوم وحسب إم ينبغي إن لا يبقى طليقا ويساق الى محاكمة علنية واعتبار اعترافه الدليل عليه؟. ليكون مثالا لكل من أسهم في الجريمة، وكيلا يفلتوا من العقاب وتغيب العدالة وتظل الإنسانية معرضة لحروب وإجرام دول وحكومات، كما هي بلاد جون ماكين.


الوان عربية تأسست في 2009