أحدث الأخبار

مشروع فضيلة (على هامش الأزمة في سورية) _1_ / د. عدنان عويّد

+ = -

مشروع فضيلة (على هامش الأزمة في سورية) _1_

د. عدنان عويّدِ

د. عدنان عويّد

أنا أعرف حق المعرفة بأن ما سأقوله هنا لن يرضي الكثير من المعنين بالخطاب الديني أو المدافعين عنه والمؤيدين له في الدولة والمجتمع.. ولكني سأقوله وأكتب عنه وأوثقه, لأن ما سأقوله هو الحقيقة التي عشتها وتابعت مسيرتها ومراقبتها من خلال موقعي ككاتب أولاً, ثم كإعلامي مارس رئاسة تحرير جريدة رسمية يومية هي (الفرات) تفطي ثلاث محافظات من المحافظات السورية النائية, وهي المحفظات الشرقية ثانياً,

وأخيراً كوني مارست العمل الحزبي في مؤسساته الثقافية إن كان على مستوى الحزب ذاته, أم على مستوى منظماته, وبخاصة منظمة اتحاد العمال, وهي المنظمة الأكثرأهمية في قيادة الفعل التنويري الثقافي, كونها تتعامل مع التكنولوجيا, والأكثر اطلاعاً على قضايا الواقع ومشاكله الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية.

نعم.. إن قضية مأساة الخطاب الديني عندنا اليوم بعد الأزمة / المصيبة التي يمر بها القطر العربي السوري بعمومه, وديرالزور على وجه الخصوص, هذه المدينة التي حوصرت من الداخل والخارج لأكثر من ثلاث سنوات ونصف في لقمة العيش والماء والكهرباء وكل ما يتعلق بسبل الحياة الكريمة, ولو في حدودها الدنيا, هي ليست قضية عابرة, أو تشكل موقفاً آنياً يكتفى التعبير عنه بـ (بق البحصة) كما يقول مثلنا الشعبي, بل هي قضية جوهرية في حياتنا, إن دلت, إنما تدل على طبيعة البنية الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية التي عاشها القطر وأدت إلى إنتاج هذه الأزمة أو السماح بحدوثها, مما يجب توضيح أسبابها وآلية عملها وما آلت إليه من نتائج مدمرة, دفعنا نحن السوريون بسببها ثمنها غالياً, وربما سنظل ندفع الثمن غالياً إذا استمر السكوت عنها إرضاء لهذه القوى السياسية أو الفكرية أو الدينية أو تلك.

إن ما سأبينه هنا ليس إلا علامات أو مؤشرات أوليه لمسيرة الخطاب الفكري الديني السلفي التكفيري, الذي غُض النظر عنه لأكثر من أربعة عقود من الزمن, حتى استفحل أمره وراح يدخل في كل مسامات حياتنا, بحيث لم يعد من السهل بمكان تجاوزه بمشروع فضيلة, أو فقه أزمة, إن مسألة تجاوزه بحاجة اليوم لإعادة بناء حقيقية لكل مكونات حياتنا على أسس عقلانية تنويرية, وهذا يتطلب جهوداً واسعة وفاعلة على مستوى الدولة والمجتمع المدني وكل أحزابه وقواه التنويرية.

إن ما سأبينه هنا ليس إلا غيض من فيض, إلا أنه غيض يشكل بداية الطريق, لا بد أن يحرك عقولنا وشعورنا وممارستنا وحسنا بالمسؤولية تجاه وطننا وأنفسنا وأجيالنا القادمة.

نقول : إن مقاومة ما تقوم به داعش ومن ينتمي إلى مدرستها السلفية التكفيرية اليوم من أعمال إجرامية بحق الإنسان والإنسانية بإسم الدين, لا ينتمي حقيقة لا فكرياً ولا سلوكياً إلى مشروع (الفضيلة/ الأخلاق) كعامل رئيس, على اعتبار أن ما تمارسه هذه القوى التكفيرية من ممارسات لاتمت إلا الفضيلة بصلة, هو لا بخرج في معظمه من حيث الجوهر عن ما ورد في كتب أهل السلف.. وبالتالي فإن مشروع (فضيلة) الذي تطرحه وزارة الأوقاف السورية, أو أية جهة دينية أو سياسية تتكئ على الدين لاعتقادها بأن الخلاص من داعش وتوابعها هو التمسك بالأخلاق الإسلامية التي بشر بها الإسلام منذ 1400 عام, يعتبر برأيي قفزاً على الحقيقة, ومحاولة لذر الرماد في العيون لإيهام الناس بأن كل ما يجري اليوم من قتل ودمار وتحطيم للحضارة الإنسانية يرتبط في عدم تمسكنا بالقيم الأخلاقية التي بشر بها الدين الحنيف, وليس له علاقة بالبنية الأيديولوجية للنص الديني الإسلامي, وطريقة تفسيره وتأويله من قبل القوى السلفية الظلامية, بالرغم مما يتضمنه هذا النص من إشكاليات كنا قد اشرنا إليها في دراسات سابقة قد نشرناها في مواقع عدة, الأمر الذي يجعل المسألة ترتبط في حقيقتها بتفسير النص الديني وتأويله وبالتالي ممارسته واقعياً من قبل هؤلاء المتطرفين على الطريقة التي يمارس بها.

بينما المنطق يقول: إن ما تمارسه داعش وأخواتها, يرتبط في حقيقة أمره ببعض مدارس أو مذاهب الفقه الإسلامي القروسطي الذي أغلق باب الاجتهاد وأبقى دوال النص الديني مغلقة على تفسير وتأويل ورؤى فقهيه تعود إلى القرون الثلاثة للهجرة, حيث تجاوز الزمن اليوم الكثير من قضايا أو مشاكل العصر الذي نزل فيه النص الديني ذاته من جهة, أو تم تفسيره وتأويله والتشريع بإسمه من قبل المذاهب والفرق الدينية التي ظهرت كتجل لصراع سياسي قبل أي شيئ آخر ابتدأ من السقيفة, واستمرت مفاعيلها الفكرية والعملية مع أبي حسن الأشعري, وأبي حامد الغزالي والقطني, والباقلاني والسفرجيني والجوني وابن تيمية وابن قيم الجوزية والشاطبي ومحمد بن عبد الوهاب وحسن الترابي والقرضاوي ومحمد سعيد رمضان البوطي وغيرهم الكثير من فقهاء ورجال دين سلفيين معاصرين, أو من أحزاب وفصائل دينية سياسية تدعوا للحاكيمة.

وأخص هنا الكثير من رجال الدين المعاصرين الذين لم يزالوا يتعاملون فكريا مع الوصفات الجاهزة لفقهاء ورجال دين من العصور الوسطى, حيث ظل هؤلاء يشكلون سداً منيعاً أمام فتح باب الاجتهاد واعتماد العقل بدل النقل, أو الإقرار بالحقيقة على الشريعة, أو اعتماد مناهج التفكير العلمي المعاصرة في التعامل مع الدين بدل اعتماد قياس الشاهد على الغائب, وبالتالي الحد من حرية الإنسان وإرادته في إعادة فتج النص الديني على كل دلالاته أو حمولته بما يتفق ومقاصد الدين الأساسية الداعية إلى الخير والمحبة والتسامح وحرية الإنسان في تحقيق مصيره, وإلى التعامل مع معطيات الزمان والمكان وفقاً لتطور حالات مصالح الناس وتبدلها, وبالتالي الوقوف أمام نقل كل أمرض الماضي ومشاكله الطائفية والسياسية والفقهية والكلامية, إلى عالمنا العربي والإسلامي المعاصر الذي لم نستطع حتى هذا التاريخ تجاوزها.

بناء على ذلك نستطيع القول: عندما تريد أية قوى سياسية أو مؤسسة دينية محاربة النقائض أو الفساد في المجتمع, أي محاربة كل ما هو غير أخلاقي, أو يناقض القيم الدينية والفكرية الحقيقة للدين من جهة, أو يناقض السياسة القائمة وأيديولوجيتها في هذه الدولة أو تلك من جهة ثانية, أو التتمسك ما تجاوزه الزمن قيمياً, ولم يعد يتوافق مع قضايا وقيم العصر ومستجداته, التي تريد هذه القوى السياسية أو الدينية السائدة سيادتها ونشرها وتعميمها في الدولة والمجتمع من جهة ثالثة, عليها أن تغيير في بيئة الدولة والمجتمع التي ولدت هذه النقائض بطريقة تلغي أو تبدل فيها هذه النقائض إلى فضائل كما ترغب وتدعي. لذلك من المنطق والمعقولية القول : ضع الناس في علاقات اجتماعية وسياسية وثقافية واقتصادية ايجابية, أي ضعهم في ظروف لا تساعد على نمو الغرائز الحيوانية والأنانية والطائفية والحقد والكراهية والفساد الأخلاقي بكل أشكاله لديهم, ستتغير الأخلاق مع الأيام. أو بتعبير آخر, عندما نعمل جادين على إبعاد مسببات كل محرضات الغرائز والدوافع التي تساهم في خلق الصراع بين الناس ولا تسمح بخلق أو تحقيق توازن المصالح بين مكونات المجتمع من جهة, وبين المجتمع والسلطة من جهة ثانية, عندئذ ستأتي الفضيلة من تلقاء نفسها تماماً كما يسقط الحجر على الأرض من تلقاء نفسه حين يفقد كل سند له.

إن مشروع فضيلة من الناحية المعرفية مجرد معرفة ذاتية, والمعرفة الذاتية في التحليل الأخير معرفة مغلوطة ومجذبة, وإن مقولة إعرف نفسك بنفسك التي لها طنينها الرنان, قد بدت من الناحية العملية معرفة مشبوهة على الدوام, وهي ليست أكثر من خداع يمارسه كهان أو وعاظ منابر يقومون كل يوم بإعطاء المواعظ التي تجتر نفسها منذ مئات السنين بحيث لم يعد لديهم شيئاً يقولونه أو يبشرون به سوى إرباك الناس بمطالب لا يمكن تحقيقها, وإلى حرف من يقومون بوعظهم عن النشاط المنصب على عالمهم الخارجي, ودفعهم إلى تأمل ذاتي داخلي مغلوط. فالإنسان قادر على معرفة نفسه بقدر معرفته للعالم الخارجي الذي يتحقق من وجوده في ذاته, ويثق بوجوده هو ذاته فيه.

إن الإنسان الواقعي الذي تنطلق معرفته من الواقع الذي ينشط فيه, يستطيع أن يقف على قدميه في عالم الله الواسع, وهو يستطيع الوقوف لممارسة الفضيلة فقط عندما ينقل تدينه من عالم المثال المجرد, إلى عالم التأمل والعقل ومطابقة معرفته مع واقعه في حركته وتطوره وتبدله.

إن عالم الدين هذا الذي يشتغل عليه مثل هؤلاء الوعاظ قد نخره السل الروحي على مستوى علاقاته الداخلية, من خلال تحويله في عالم الداخل إلى عالم الطائفة والمذهب, وإلى اختلاف مع الآخر وتكفيره وزندقته وقتله على مستوى عالم الخارج.

إن الطبيعة الإنسانية (الفطرة) لا تجعل الإنسان خيراً أو شريراً, وإنما طبيعة العلاقات بين الناس هي من يجعل ذلك. وبالتالي فالفضيلة ليست بحاجة للتبشير بها, إنما هي بحاجة لأن يمهد لها بالترتيب المعقول للعلاقات الاجتماعية الصحيحة.

على العموم نستطيع القول في مشروع “الفضيلة” هذا الذي تتبناه المؤسسة الدينية السورية اليوم بسبب ما تمر به سورية من مآسي من قبل حملة المشروع السلفي التكفيري, بأنه : منذ بداية الأزمة السورية ولا أقول الثورة, لأن لكل ثورة مقوماتها وظروفها الموضوعية والذاتية التي إذا ما توفرت تحقق مشروعية الثورة, وبالتالي فإن ما سموه ثورة أو ثورات الربيع العربي هي ليست أكثر من مهاترات ثورية برأيي لفقدانها الكثير من عوامل مقوماتها ونجاحها, وكنا قد كتبنا العديد من المقالات أيضاً حول هذه المسألة سابقاً, وبينا أبعادها السياسية, وهي أن الثورات بطبيعتها ذات فعل تقدمي نهضوي, وليست ذات فعل استرجاعي ماضوي يريد العودة إلى ماض تجاوزه الزمن, أو ثورة راح دعاتها يمارسون الاستبداد على المخالف لهم في الشكل والمضمون, في الوقت الذي يدّعون فيه أنهم يحاربون الظلم والاستبداد تحت شعارات الحرية التي تبين أنها ليست أكثر من شعارات فوضوية غوغائية يراد منها تدمير البلاد والعباد, وتحقيق مشروع سياسي يدعو إلى”الحاكمية لله” منطلقاً له, وهو شعار كان الخليفة “علي بن أبي طالب” قد قال عنه منذ معركة صفين في منتصف القرن السابع للميلاد/ الأول للهجرة بانه : (كلمة حق يراد بها باطل).

إذاً ليس موضوع الثورة أو (الخرف الثوري) موضوعنا هنا, وإنما هو رد فعل المؤسسة الدينية في سورية على ما جرى ويجري في سورية من دمار وقتل وتشويه للحقيقة والتاريخ بإسم الدين خلفه هذا الخرف الثوري. أي ربط هذه المؤسسة الدينية الرسمية في سورية ما يجري من دمار للحجر والبشر, هو نتيجة لفهم الخطاب الديني الخاطئ والابتعاد عن وسطيته من جهة, ثم لابتعاد حملته من القوى السلفية التكفيرية عن التمسك بقيم الفضيلة المحمدية ومن اتبعها من السلف الصالح.

نعم…إن المتابع لنشاط المواجهات الفكرية والعملية من قبل مؤسسات الدولة الحاكمة في سورية خلال هذه الأزمة, يجد أن وزارة الأوقاف قد تحملت العبء الأكبر فيه, إن لم نقل أنها هي الوحيدة التي تصدت لهذه الأزمة مع غياب واضح لمؤسسات الدولة الثقافية والحزبية, حيث راحت تقيم الندوات, وحلقات الذكر للطريقة الشاذلية, ثم حلقات الدعاء التي عمت بعض جوامع دمشق وعلى رأسها الجامع الأموي التي شارك فيها مسؤولوا وزارة الأوقاف ذاتها وكل مشايخ الشام لساعات طويلة وهم يقرأون بعض الأوراد أو آيات من الذكر الحكيم لإزالة هذه الغمة التي ابتلينا بها, ثم إقامة ذكرى إحياء شيخ المتصوفة “محيى الدين بن عربي” وغير ذلك من نشاطات دينية وفكرية (دينية) وصلت إلى حد مشاركة وزارة الأوقاف ذاتها مع المنظمات الشعبية في ندوات حول مواجهة الفكر الأصولي الظلامي, ولاسيما منظمتي الشبيبة والطلبة, اللتان تمثلان جيل الشباب, وهم الذين خاطبهم الرئيس الراحل حافظ الأسد في مؤتمرالشبية الرابع أثناء أزمة الثمانينيات قائلاً: (علينا محاربة الفكر الرجعي بكل أصوله وفروعه, وأن نعمل لبناء مجتمع الطبقة الواحدة).

بيد أن الأهم من حلقات الذكر والدعاء هذه, كان مشروع “فقه الأزمة” (الذي كان أول من طرحه على الساحة الدينية شيخ الفتنة القرضاوي الموجه الفكري للإخوان اليوم), ثم مشروع ” فضيلة”. هذا عدا ما تقوم به الوزارة من حلقات وندوات فكرية على القنوات السورية وخاصة قناة ” نور الشام”, حيث اشتغلت على مسألة محاربة التطرف والدعوة إلى الوسطية في الإسلام, وأن الدين الإسلامي هو دين الرحمة والتسامح, وكذلك الحديث عن أخلاق الرسول والصحابة والتابعين وتابعي التابعين حتى القرن الثالث للهجرة, وهو زمن الفضيلة والأخلاق الحميدة للمسلمين, كما تحدثت عن قيم وأخلاق الأولياء الصالحين الذين لا تبلى أجسادهم بعد وفاتهم كما يقول أحد مشايخ هذه المؤسسة الدينية , في الوقت الذي كانت فيه الحلقات المتعلقة بـ (العقيدة) تتكئ على الفكر الأشعري السلفي, هذا الفكر الذي يرفض السببية, وأية عليّة لها تأثير في حياة الإنسان والطبيعة عدا عليّة الله الذي أمره إذا أراد شيئاً يقول له كن فيكون, حيث تتحطم هنا حركة الزمان والتاريخ الإنسانيين ويتحول تاريخ الإنسان إلى ذرات لا يربطها مع بعضها شيئ إلا بأمر الله , وهذا التذرير يعمل على إلغاء حرية وإرادة الإنسان التي يقول بها العلمانيون الكفرة, بالرغم من اعتماد الفكر الأشعري على نظرية (الكسب) التي حاولت الالتفاف عبرها على مسألة الجبر إلا أنها لا تخرج في حقيقة أمرها عن الجبر.

هذا كما تناولت الحلقات والندوات إياها الموقف من العقل والتفكير الحر في النص المقدس, وخاصة بعد أن خاطبهم السيد الرئيس مطالباً إياهم بضرورة استخدم العقل والفلسفة في إعادة تفسير النص وتأويله بما يخدم تطور الواقع وخصوصيات المرحلة المعاصرة, حيث قالوا رداً على دعوته: إن دور العقل يقتصر فقط على تثبيت النص وليس الحكم عليه, أي هم يرفضون فتح النص المقدس على دلالاته المتعددة بما يتفق وتطور الواقع, وبالتالي هم سيظلون متمسكين بالنقل على حساب العقل, منطلقين من المقولة الفقهية السلفية ( إن صريح العقل لا يخالف صحيح النقل) التي راحت تردد كثيراً في هذه الأزمة من قبل مشايخ المؤسسة. كما كان لهم موقف معادي من الفكر الآخر الوضعي الذي يطرح نفسه من خلال مناهجه البحثية كفر قادر على معالجة الواقع ووضع الحلول له, منطلقين من القراءة السلفية ذاتها في أن القرآن والحديث وما تركه لنا فقهاء المذاهب الأربعة السنية من تراث يتعلق بتفسير النصوص المقدسة التي لم تترك صغيرة أو كبيرة في هذا الحياة وما سيأتي في المستقبل من مستجدات حياتية إلا ولها حل في مخزون النص المقدس وما ترك لنا من آثار السلف الصالح, فالشيخ البوطي يدعو مريديه ومستمعيه في إحدى حلقاته الدينية التي تبث على وسائل إعلامي بطريقة محمومة, بأن تعلم أركان الصلاة أفضل بكثير من تعلم من هو أول شخص دار حول الكعبة.!!!. لأن هذا السؤال يضعهم في إرباك معرفي وعقيدي تشتق منه أسئلة جوهرية مثل: متى بنيت الكعبة؟. ولماذا بنيت؟. ثم لما هذا الطواف حول الكعبة ؟. وما هي علاقته بالدين الإسلامي؟.. وغير ذلك من الأسئلة التي ستخرجهم من عباءة الفكر التوراتي في هذه المسألة.

إن مؤسستنا الدينية تقر بالضرورة مسألة “الحاكمية” دون إعلان إسمها صراحة. أما معرفة الله, فتأتي من القلب مباشرة وليس عن طريق العقل والفكر, كون الدين عندهم هو دين الفطرة والغريزة, ضاربين بذلك كل مضامين أول آية نزلت وهي (إقرأ). و بهذا الموقف قد أوقفوا الاجتهاد أو اقتصروه على قضايا الحيض والنفاس وغيرها من قضايا الأحوال الشخصية المتعلق بالإرث والميراث التي لا تمت إلى جوهر الدين الحقيقي ومقاصده في تحقيق تنمية الإنسان وتطوير مداركه وقواه العقلية بصلة جوهرية, متناسين مواقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه العقلانية من النص ذاته في عام الرمادة والمؤلفة قلوبهم وتوزيع أراضي الخراج على المقاتلين. أما موقفهم من المذاهب والفرق الإسلامية, فقد اقتصر قرارهم على اعتبار الدين الحقيقي هو ما يمثله أهل السنة والجماعة, أي عند حدود مذاهب السنة الأربعة. كما تطرقوا لأسماء الله وصفاته العقلية منها والمعنوية…وأن ليس كمثله شيئاً.

إن من يتابع كل تلك النشاطات من قبل المؤسسة الدينية يجد نفسه أمام خطاب ديني سلفي لا يختلف من حيت الجوهر عن الفكر الأصولي الإسلامي السياسي بصيغته الإخوانية والوهابية, الذي حمل السلاح في وجه الدولة والمجتمع بإسم (الحاكمية لله), إلا في قضايا بسيطة تتعلق بإطلاق بعض التصريحات الشعارية المتعلقة باعتبار الدين ضد الإرهاب. وأن ما يقوم به المتطرفون ليس من صلب الإسلام, وأن إسلامنا (إسلام أهل الشام) إسلام الوسطية, وهوضد العنف وضد الطائفية, ويحترم الرأي والرأي الآخر, وذلك إرضاء للسلطة التي يعملون تحت إمرتها, أما في جوهر ما كان يقال وينظر فيه داخل الجوامع والتكايا, فهو لا يختلف عما يقول به متطرفوا الإسلام من وهابية وحنابلة وإخوان وغيرهم. فهذا الأشعري الذي تتكئ عليه المؤسسة الدينية في سورية بنبري مدافعاً عن مقولات ابن حنبل بعد أن تبنى آراءه وهو القائل في ذلك: ( قولنا الذي نقول به وديانتنا التي ندين بها هي التمسك بكتاب الله وسنة نبينا محمد (ص) وما روي عن السادة الصحابة والتابعين, وأئمة الحديث, ونحن بذلك معتصمون بما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن حنبل نضر الله وجهه وأجزل مثوبته قائلون, ولما خالف قوله مخالفون.).(13).

والسؤل المشروع هنا هو : أليست هذه المصادر التي اعتمد عليها الفكر الأشعري الرسمي في سورية, هي الفكر الحنبلي.؟!!, وهي ذاتها التي اعتمد عليها ابن تيمية وابن قيم الجوزية والجويني وأبو حامد الغزالي والاسفرجيني ومحمد بن عبد الوهاب, وحسن البنا, وسيد قطب وكل ما مثله بعض هؤلاء وغيرهم من تيارات فقهية أو كلامية أو سياسية

إن ما أريد عرضه والتركيز عليه هنا هو القول: بأن سورية منذ أحداث ثمانينيات القرن الماضي, والتي كان لـ (لإخوان المسلمون) الدور الأول في قيامها, رحنا نلمس توجها غير عادي لدى السلطة والحزب في فسح المجال واسعاً أمام نشر الخطاب الديني فكراً وممارسة, رغبة في مواجهة التطرف الإخواني وإظهار أن الدين الإسلامي دين رحمة ومحبة من جهة, ثم تعميم فكرة أن النظام القائم في سورية رغم علمانيته فهو ليس ضد الدين من جهة أخرى. الأمر الذي أعطى للمؤسسة الدينية الرسمية بدار إفتائها ووزارة أوقافها دوراً فاعلاً في تجذير وبلورة هذا الخطاب الديني على كافة المستويات داخل القطر, حيث راحت تبنى الجوامع والمساجد في معظم أحياء القطر, بل وصل بناء الجوامع حتى محطات الوقود على الطرق العامة بين المحافظات, هذه المساجد التي وصل عددها مع قيام الأزمة إلى أكثر من /23/ ألف جامع, وأن أكثر من 90% منها يشتغل على مذهب واحد هو مذهب أهل السنة والجماعة, متجاهلين في ذلك حالات التعدد الطائفي والمذهبي المعقد في سورية, كما رحنا نلمس في المقابل بناء الكنائس العديدة, الأمر الذي أدخل المسلمين والمسيحيين في بعض المحافظات السورية حالات من التنافس من حيث إظهار البذخ في بناء دور عبادتهم. هذا مع بدء تعيين دعاة للفكر السلفي الرسمي من قبل وزارة الأوقاف حيث بلغ عددهم عشرات الألوف بين داع وداعية, كلهم يعملون على تغذية الفكر الديني السلفي في الجوامع التي غابت عنها الرقابة, حيث كان يعطى فيها دروس الفكر السلفي التكفيري ممثلاً في فكر ابن حنبل وابن تيمية وابن قيم الجوزية ومحمد بن عبد الوهاب وأبي حامد الغزالي وأبي حسن الأشعري, هذا عدا الفكر الصوفي ألامتثالي, الذي ساهم كثيرا بتغييب العقل ونشر الأساطير المتعلقة بالكرامات, ممثلاً هذا الفكر بطرق الشاذلية والرافعية والخزنوية والقادرية وغيرها من طرق. الأمر الذي حول الجوامع في سورية إلى مراكز تجمع ونشاط ديني لكل فرقة أو تيار, حيث رحنا نجد للشاذلية جوامعهم وللخزنوية جوامعهم وللوهابية جوامعهم… إلخ. دون أن ننسى هنا دور المدارس الدينية التي وصل عددها في سورية إلى أكثر من / 130ِ/ مدرسة, يضاف إلى دورها التعليمي معاهد تحفيظ القرآن وكليات الشريعة الخاصة والعامة, وغيرها من المؤسسات الدينية الخاصة, التي وجد فيها الإخوان ملاذا لتمرير فكرهم.

أمام هذا المشهد الديني المرعب في حجم مؤسساته ونوعية خطابه, كان هناك حصار وتضييق على الفكر العقلاني والعلماني, بل ومحاصرة أصحاب هذا الفكر على مستوى الساحتين الثقافية والإعلامية, ممثلة بالمراكز الثقافية والتلفاز والصحف والمجلات السورية. كما رحنا نلمس الدعوات المحمومة لارتداء الحجاب, واللباس الصوفي والوهابي, حتى انتشرت ظاهرة القبيسيات للنساء وارتداء (الدشداشات) القصيرة وتربية الذقون وحف الشارب وحمل المسواك للشباب.

ثلاثة ظاهرات بدأت تنتشر في سورية في العقدين الأخرين قبل الأزمة هما:
1- انتشار ظاهرة الحجاب والقبيسيات.
2- محاربة الفكر التنويري العلماني ودعاته.
3- انتشار ظاهرة بناء الجوامع والمدارس والمعاهد الدينية, وإعطاء الدروس الدينية المشبعة بالفكر السلفي التكفيري دون رقابة.
وهذه الظواهر الثلاث لم يكن انتشارها على مستوى سورية فحسب, بل هي ظواهر راحت تعم عالمنا العربي, وكان وراءها الفكر الوهابي في السعودية وداعميه مالياً وسياسيا.
يتبع

الوسم


التعليقات مغلقة.
استطلاع

هل تتم التهدئة ما بين اسرائيل وحركة حماس؟

View Results

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
اعلان
صدر حديثاً