الفلسطينيون الحاضرون قبل النكبة.. وبعدها / ماجد الشّيخ

+ = -

الفلسطينيون الحاضرون قبل النكبة.. وبعدها

ماجد الشّيخ

ماجد الشّيخ

منذ أكثر من سبعين عاما وعصابات الإرهاب الصهيونية ومن ورثها من مؤسسات احتلالية جرى بلورتها في منتصف العام 1948، على شكل “دولة”، والحركة الصهيونية تسعى وبالقوة وبالعنف والإكراه الى إخضاع أصحاب الأرض وسلبها ومصادرتها وإقامة استيطان احتلالي، لم يوفر لا الحجر ولا الشجر ولا البشر بالطبع، وقد شرّعت في كامل مؤسساتها السياسية والعسكرية والقانونية العديد من القوانين الجرمية،

من قبيل قوانين “الارض الموات” وقانون “أملاك الغائبين” وغيرها من قوانين احتلالية استمرت تعمل تهجيرا وتشريدا، ولا تزال تعمل وفق قوانين وأنظمة طوارئ موروثة من عهد الانتداب البريطاني، ومما شرعته الحركة الصهيونية من قوانين، ساعدتها في احتلال الأرض وسلبها من أصحابها الشرعيين وطردهم وإبعادهم منها، إلى حد اعتبار مواطنو النقب غزاة لأرضهم، ومواطنو مدينة القدس محتلون لها.

وفي وقت يستمر فيه “تسريب” الأرض؛ سرقتها والاستيلاء عليها بالقوة وبالقوانين الاحتلالية، تحت أنظار القيادات الفلسطينية والعربية والعالم أجمع، خاصة في مدينة القدس التي تتعرض اليوم لأبشع هجوم كولونيالي أميركي – إسرائيلي، في ظل صمت وتواطؤ وعجز المجتمع الدولي عن حماية حقوق الفلسطينيين في مدينتهم وفي وطنهم وعلى أرض آبائهم وأجدادهم، يفتقد هؤلاء إلى أي قوة سياسية تقف معهم لتدافع عن حقوقهم وممتلكاتهم، حتى من قبل السلطة الفلسطينية، وهي تتركهم مجردين من حقهم السياسي والسيادي والقانوني في مواجهة إجرام وفاشية الاحتلال ومستوطنيه وكيانه الاستعماري وداعميه الغربيين.

مثل هذا الوضع المسكوت عنه، عربيا وحتى فلسطينيا، وجد صداه لدى صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية في إحدى تحقيقاتها (11/3/2018) حين وجهت انتقادات للمنظمات اليهودية اليمينية التي تواصل حملاتها ضد العائلات الفلسطينية في القدس المحتلة. حيث تقف منظمات استيطانية تملك المال الوفير، ولديها اتصالات داخل جميع المؤسسات الحكومية، وطاقم محامين مخضرم. بينما وفي المقابل، يقف فلسطينيون يفتقرون إلى الوسائل وليس لديهم قوة سياسية، وكل محاولة من قبلهم للاحتجاج كانت تواجه بقبضة حديدية من قبل الشرطة وقوات الاحتلال.

مثل هذه المعركة وفي إطار سلسلة المعارك التي دارت منذ بداية النكبة من قبل نظام يميز ضد الفلسطينيين أصحاب الأرض، الذين اعتبروا “غائبين”، قدمت “هآرتس” مثلا ساطعا، بل صافعا، حين ذكرت إنه يمكن وقد أمكن لليهود فقط المطالبة بأملاكهم التي هجروها بسبب حرب 1948، بينما يستمر اعتبار الفلسطينيين وحدهم “غائبين”.

وحملت على تعيين المدعو حنانئيل غورفينكل، مدير الوحدة الاقتصادية التابعة لحارس الأملاك العام، مسؤولا عن ملف القدس الشرقية… واعتبرته تعيينا “مشوها وغير قانوني”. وأشارت الى أن غورفينكل هذا هو عضو مركز حزب “البيت اليهودي”، وقد أسس خلال فترة عمله لدى حارس الأملاك العام، جمعية تطالب بمعالجة ما يسميه “الاستيلاء على أراضي الدولة من قبل عناصر أجنبية”. وسبق أن دعا علنا لمحاربة ما أسماه “الاحتلال العربي” في القدس. في وقت كان قد أبدى حماسًا كبيرًا لمساعدة جمعيات المستوطنين ضد العائلات الفلسطينية، واستغل منصبه في الترويج لأجندة سياسية تدعم المنظمات المتطرفة التي تقيم مستوطنات معزولة داخل الأحياء الفلسطينية في المدينة.

ومع اجتماع كل تلك العوامل التي تسهم في المزيد من اضطراب وتوتير المنطقة، وفي تلاقي وتساوق قرارات الإدارة الأميركية وانحيازها الكامل لممارسات الاحتلال الكولونيالي الإسرائيلي ودعمه في مواجهة قضية الشعب الفلسطيني الوطنية، يمكن الإشارة إلى ما أسمي “تقديرات استراتيجية” لشعبة الاستخبارات العسكرية في جيش الاحتلال “أمان” حول قرب نهاية “عقد الهدوء النسبي” في الضفة الغربية أيضاً، سواء بفعل الأوضاع الاقتصادية المتردية في القطاع، أم بفعل احتدام التوتر بين السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية وبين الشعب الفلسطيني، مما يحمل في طياته بحسب المعلق الإسرائيلي أليكس فيشمان، مخاطر انفجار مزدوج للغضب الشعبي الفلسطيني ضد السلطة الفلسطينية، وضد قوات الاحتلال في حال اندلاع موجات ومسيرات عودة جماهيرية، قد يتجه بعضها أيضاً إلى المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، خاصة في ظل غياب الأفق السياسي للحل، وفي ضوء قرار ترامب الاعتراف بالقدس المحتلة عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأميركية إلى القدس المحتلة في ذكرى النكبة الفلسطينية في الرابع عشر من مايو/أيار الجاري.

بالتوازي وقبل أيام من يوم الأرض هذا العام، وعلى أعتاب الذكرى السبعين للنكبة، أقدم الكنيست الاسرائيلي على المصادقة بأغلبية اصوات الائتلاف الحكومي، على صيغة “قانون القومية اليهودية”، وذلك تمهيدًا لطرحه للقراءة الأولى في الهيئة العامة للكنيست، في أول أيام بدء دورته الصيفية في الأول من أيار/مايو الجاري، حين تصدى نواب القائمة المشتركة (النواب العرب) للبنود العنصرية المقترحة في القانون، محذرين من مواصلة المسّ بحقوق ومكانة المواطنين العرب الفلسطينيين في وطنهم، ومن استمرار الهجوم عليهم كجزء من الحملة الانتخابية لنتنياهو.

واكد النائب يوسف جبارين، عضو لجنة الدستور البرلمانية على التمييز العنصري الكامن في القانون ضد المواطنين العرب، وعلى أن القانون يعزز الطابع اليهودي الديني للدولة، والفوقية القومية اليهودية فيها، وذلك تلبية لأطروحات الأحزاب اليمينية في الحكومة. على أن هذا القانون يعكس مخططات حكومة نتنياهو ليس فقط على صعيد العلاقة مع المواطنين العرب (فلسطينيي العام 1948)، بل ايضًا مع الشعب الفلسطيني عمومًا، من خلال التنكّر لحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، وقد ذهب القانون إلى حد تعريف إسرائيل على أنها “الدولة القومية للشعب اليهودي”، بينما منح حق تقرير المصير بشكل حصري لما أسماه “لشعب اليهودي”، وذلك دون تعريف ما هي حدود اسرائيل.

كما نوه ان حكومة نتنياهو التي تشرّع هذا القانون ترفض فكرة إقامة دولة فلسطينية وتطرح مشروع “أرض إسرائيل الكبرى”، مما يؤكد ان حدود اسرائيل بحسب “قانون القومية” ليست حدود ما قبل 67، بل ان “الحق الحصري بتقرير المصير للشعب اليهودي” يشمل كل أراضي فلسطين التاريخية، التي تعتبرها اليوم حكومة نتنياهو كما الحكومات الإسرائيلية التي تعاقبت على الحكم منذ العام 1948 “أرض إسرائيل التوراتية”؛ حتى القدس بشرقها وغربها تدخل ضمن هذا التعريف، وبشهادة يمين إنجيلي صهيوني بات يحكم اليوم الولايات المتحدة.

لهذا من الخطأ إن لم نقل من الخطيئة استمرار مواجهة إسرائيل الكولونيالية بالنيات الطيبة والاعتقادات الخاطئة، فالمؤمنون بما يسمى “أرض إسرائيل الكبرى” لن يكون في مقدورهم لا في المنظور الاستراتيجي، ولا في المنظور الأيديولوجي، السماح بعودة اسم فلسطين إلى أي قسم من الأرض الفلسطينية، وهي التي أضحت في عرفهم “أرض إسرائيل الكبرى”، ما يحتم فلسطينيا وعربيا نقلة نوعية في الصراع، تبرز برنامجا كفاحيا يؤكد على ضرورة استعادة كينونة الوطن الفلسطيني أرضا وشعبا، وليس الاكتفاء بما يسمى “دولة مؤقتة”، أو دويلة “حكم ذاتي”، أو دولة حدود العام 1967 التي نخرها الاستيطان والتنسيق الأمني والمصالح الزبائنية الخاصة، في ظل تواصل الاحتلال غير المقنّع، وتلك كولونيالية صريحة، مهما قيل ويقال عكس ذلك لدى من يسعون إلى مفاوضات عدمية، لم تجلب سوى الكوارث وتهديدات الحرب أو الحروب المتواصلة، وتكريس أمر واقع احتلالي، في واقع بات يفتقد لمضامين الكفاح التحرري، وحداثة الإبداع الكفاحي، وروح التحدي، وعقل المجابهة.

الوسم


التعليقات مغلقة.
استطلاع

هل تتم التهدئة ما بين اسرائيل وحركة حماس؟

View Results

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
اعلان
صدر حديثاً