الوان عربية » ابتكارات في مسابقات ملكات الجمال للفت الأنظار إلى الفئات المهمشة

ابتكارات في مسابقات ملكات الجمال للفت الأنظار إلى الفئات المهمشة

+ = -

ابتكارات في مسابقات ملكات الجمال للفت الأنظار إلى الفئات المهمشة

إذا كان الجمال بالنسبة لبعض الفتيات وسيلة لتحقيق شهرة ومكاسب مادية، عبر الاشتراك في مسابقات لا يعرفها سوى الأغنياء، غير أن هذه المسابقات خرجت عن النمط بأفكار غريبة، وتعامل مبتكروها على أنها رسالة مجتمعية مغايرة، تهدف إلى لفت الأنظار لفئات تعاني المظلومية والتهميش، وهذا لا يمنع تحقيق انتشار واسع لأصحاب تلك المبادرات، قد تتبعها مكاسب مادية.

وتخطت غرابة مسابقات الجمال حدود مصر إلى دول أخرى، ففي المغرب حدثت ضجة إعلامية بسبب مسابقة ملكة جمال عاملات النظافة، لتناقض فكرة الجمال ومفهومه مع مهنة عاملات النظافة، في حين دافع المؤيدون عن العاملات اللاتي يكافحن لتوفير الحدود الدنيا للمعيشة بعيدا عن مفهوم الرفاهية، وتعزيز ثقتهن بأنفسهن أملا في إحداث تغيرات جذرية في حياتهن، من منطلق أن الأحلام لا تزال ممكنة.

في وقت تباينت فيه الآراء حول تلك المسابقات المستحدثة، أيدتها أستاذة الإرشاد النفسي بجامعة القاهرة الدكتورة شيرين شوقي، حيث قالت لـ”العرب”، إنها تلقي الضوء على تجارب ناجحة وقصص كفاح مشرفة، لافتة إلى ضرورة اتساق هذه المسابقات مع عادات وتقاليد المجتمع المصري، كما أنها تعدّ بمثابة احتفال بفتيات ذوات عزم وإرادة قوية بعيدا عن الجمال الظاهري، ما يشكل مساندة مجتمعية ودعما نفسيا لساكنات المناطق المهمشة.

المشهد المعروف في مسابقات ملكات الجمال، وفيه تظهر مجموعة من الفتيات ذوات الوجوه الجميلة والأجساد الممشوقة، ليس شرطا، كما هو معهود، أن تنتمي بطلاته إلى بيئات اجتماعية مرموقة، لا سيما وأن هذا النوع من المسابقات شهد مؤخرا خروجا عن المألوف، أحدثها مسابقة ملكة جمال المقابر والعشوائيات التي أطلقها شاب مصري بهدف إلقاء الضوء على فتيات متعلمات ومثقفات ينحدرن من تلك المناطق

وتكتظ الصحف بإعلانات عن مسابقات جمال غريبة، منها ما لها جوانب إنسانية أو ما تتخطى ذلك إلى جذب الأضواء، وهناك مثلا مسابقة ملكة جمال الألغام، وهي تكشف تعاطفا مجتمعيا مع النساء من ضحايا الألغام والحروب، ومسابقة ملكات جمال السجون، التي تلمح إلى ضغوط نفسية واجتماعية تتعرض لها السجينات، وغيرها من مسابقات الجمال للحوامل والمجندات وعمليات التجميل، لكن أطرفها مسابقة ملكة جمال السيقان ذائعة الصيت في بريطانيا وفرنسا في الفترة من عام 1930 إلى 1950.

وأكثر هذه المسابقات إثارة للجدل هي، مسابقة ملكة جمال مرضى البهاق، بغرض محو الوصمة النفسية الموحشة التي يتركها هذا المرض، لا سيما وأنه يشوه المظهر الجسدي للمصابين به، ويواجه بعض المرضى في الدول الأفريقية تمييزا يصل إلى حد الاعتداء والاعتقاد بامتلاكهم قوى سحرية خارقة، وهو ما سجلته دفاتر المفوضية العليا لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة.

لم يعد الرهان على جمال الوجه هو المحرك الرئيسي لمثل هذه المسابقات، بل أضحت هذه التظاهرات تستقي أفكارها من قيم نبيلة وتجارب إنسانية، من هنا فكّر شاب مصري يدعى حسين حسان في مسابقة جديدة أطلق عليها اسم ملكة جمال المقابر والعشوائيات، بقصد إلقاء الضوء على فتيات تلك المناطق المهمشة، ممن يتمتعن بالثقافة والتعليم الجيد.

ولقيت فكرة الشاب المصري انتقادات واسعة، بمجرد إطلاق اسمها في حملات دعائية، وقال من ألقوا بسهام النقد، إن هذه المناطق العشوائية تأوي البلطجية والمجرمين، وهي مكان لإنتاج الجريمة وليست لتصدير الجمال، حتى أن الفنان المصري محمد صبحي طالب في تصريحات له بتغيير اسم المسابقة إلى ملكات جمال إنقاذ سكان العشوائيات، ورأى أن هذا الاسم يمنح المسابقة هدفا ساميا، ألا وهو الدعوة إلى إنقاذ سكان تلك الأوساط وليس مجرد اختيار فتاة جميلة، لا سيما وأن وجود العشوائيات يكشف عيبا مجتمعيا.

وتلك الابتكارات تكشف أن أصحابها يعتمدون على اختيار أسماء جاذبة للمسابقات للفت الانتباه وشدّ الاهتمام، ومن هنا خرجت مسابقة ملكة جمال البلح، التي أقيمت في معبد هيبس بمدينة الخارجة افي محافظة الوادي الجديد في غرب مصر.
ومسابقة ملكة جمال البلح تقام سنويا، في موعد العيد القومي للمحافظة، للأطفال البالغين من العمر خمسة أعوام حتى 12 عاما، ويعتمد في هذا النوع من الاحتفالات على إحياء الأزياء التراثية وتعريف الأطفال بتاريخ المحافظة التي أقيمت كواد جديد مواز لوادي النيل.

وعلى نفس النسق جاءت مسابقة ملكة جمال المحجبات، وأدخلت السعادة على فتيات وإعلاميات وفنانات كان تحجّبهن لوقت قريب مدعاة للتهكم، ما دفع بعضهن إلى خلع الحجاب. وجاء اختيار المشاركات في المسابقة التي أطلقتها آية محمود على خلفية ثقافية وعلمية إضافة إلى ثراء التجربة الإنسانية للمشاركات.

وقالت محمود لـ”العرب” إن “هدفي من إطلاق المسابقة التعريف بجمال الروح وسمو الثقافة إلى جانب المظهر الخارجي، والحجاب يضفي على الفتاة جمالا ولا يمنعها من ممارسة الحياة بشكل إيجابي، أو أن يكون لها دور فعال في محيطها المجتمعي”.

ورغم ما عُرف عن محافظات جنوب مصر من تمسك بعادات وتقاليد صارمة والتعامل مع المرأة بخشونة، إلا أن فاطمة بكر، إحدى نساء الصعيد وهي خبيرة في التجميل، قامت بإطلاق مسابقة ملكة جمال الصعيد، بهدف تغيير هذه الصورة النمطية، وتقديم فتيات الصعيد بشكل مغاير.

وفتح هذا المجال أمام فتيات مثقفات ونساء عاملات للتحدث بطلاقة عن تجاربهن الحياتية الناجحة، فضلا عن إظهار جمال أرواحهن وتغيير النظرة السائدة عنهن، لكن المسابقة تعرضت للسخرية والهجوم من شباب رفضوا الفكرة من الأساس، وقاموا بعرض مقاطع ساخرة عبر موقع يوتيوب، بغرض كسب قاعدة شعبية رافضة، وتلقت مشاركات في المسابقة تهديدات بالإيذاء البدني للتراجع عن المشاركة.

ويبرر خبراء الاجتماع إجراء مسابقات غريبة لملكات الجمال، بأنه يعود إلى الرغبة في التجديد من قبل فئات كثيرة ومحاولة الخروج عن النمطية، وليس بالضرورة أن تكون هذه التقاليع للفت الأنظار، كما يتردد، لكنها تكشف عن حالة من الملل الثقافي.

وأكد هؤلاء أن هذه التقليعات تظهر فجأة ثم تختفي وتظهر مكانها تقليعات أخرى ربما تكون أشدّ غرابة. وفي كل الأحوال، فهي تشي بأن المجتمعات العربية لم تعد جامدة، ويسعى الفاعلون والفاعلات فيها إلى مسايرة العصر، سواء في غرابة بعض أفكاره أو من خلال الرغبة الحثيثة للتجديد والسعي إلى الخروج عن المألوف والتقليدي، وهو ما يعني أن هناك استعدادا قويا للتمرد على المجتمع.

صحيفة العرب

الوسم


التعليقات مغلقة.
استطلاع

هل تقع المواجهة العسكرية بين ايران واسرائيل؟

View Results

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
اعلان
ايقونة الصمود والتحدي الفلسطينية عهد التميمي
اعلان