” مــارك شــاجال ” الفنان الذي أغنى الحركة التشكيلية العالمية في القرن العشرين/ بقلم : عبد الهادي شلا

أضيف بتاريخ: 07 - 03 - 2018 | أضيف بواسطة: admin | أضيف في: الوان ثقافية

بقلم: عبد الهادي شلا

فنان لا يمكن إلا أن تنحني أمام خيالاته السابحة في عالم هو صاحبه، يأخذك معه إلى حيث “الميتافيزيقي” الذي لا تراه العين لكنه يمس مشاعرك وأحاسيسك وكل ما تبحث عنه من جمال!

ينتمي إلى “السيريالية – الرمزية” رغم مروره على الكثير من المدارس الفنية بنفس الروح الوثابة التي حفظت شخصيته وسمات شخوص أعماله.

وأصدق ما قيل عنه:” أنه أكثر فناني القرن العشرين تحررا رغم بداياته التي أسهبت في التمسك بعقيدته الدينية”.

وقد يظن المتلقي أن أعماله تتشابه مع أعمال بعض الفنانين من معاصرية إلا أنه سرعان ما يكتشف خصوصية هذا الفنان التي لا تشبهها أخرى في عالم الفن التشكيلي الحديث.

إنه ” شاجال ” الفنانً الروسيً،الذي ولد في “ليوزنا” بالقرب من فيتبيسك في جمهورية روسيا البيضاء في السابع من يوليو 1887، وتوفى في الثامن والعشرين من مارس 1985.

ووفقا لما قاله المؤرخ الفني “مايكل جيه لويس”: فإن شاجال هو “آخر الجيل الأول من الفنانين المحدثين الأوروبيين” فقد حقق شهرة واسعة وثروة ضخمة كرائد من رواد الحداثة وواحد من أهم فناني المدرسة السيريالية – الرمزية.

ارتبط اسمه بالعديد من المدارس الفنية المهمة وكان واحدًا من أنجح فناني القرن العشرين حيث قدم على مدار حياته الطويلة مجموعة من اللوحات التي تعد من أفضل الأعمال الفنية حتى وقتنا هذا .

في عام 1906 بدأ تعلم الرسم على يد فنان يدعى “ياهودا بن” ،وفي عام 1907 انتقل إلى مدينة “سانت بيترسبيرج” والتحق بمدرسة Society of Art Supporters “مجتمع المهتمين بالفن” ليتعلم على يد “نيكولاي روريتش”،حيث تعرف على المسرح التجريبي وأعمال الفنانين التجريبيين، مثل “جاوجوين”.

إلا أنه ما بين عام 1908 وحتى عام 1910 التحق بمدرسة Zvantseva للرسم ليدرس على يد “ليون باكست”.

ويرى النقاد أن أهم أعمالة الفنية هي تلك التي نفذها في فترة الحرب العالمية الأولى عندما سافر بين مدن سانت بيترسبيرج وبرلين وباريس التي كانت نقطة انطلاقه الحقيقية وذاع صيته وبيعت لوحاته وأقبل عليها الكثير من الناس.

وفي هذه الفترة، تمكن من ابتكار مزيجه وأسلوبه الخاص في الفن التشكيلي الحديث من ثقافته الدينية “اليهودية”في أوروبا الشرقية أنذاك حيث أمضى فترة هذه الحرب في روسيا ولم يغادرها، حين كانت ثورة أكتوبر 1917 في روسيا قد وضعته في موقف صعب وتجربة قاسية هي من أصعب فترات حياته حيث لم يكن مسموحا للمواطنين اليهود بالعيش في مدينة “سانت بيترسبيرج” إلا من يحمل تصريحًا بذلك لذا فقد سجن لمدة قصيرة نظرًا لمخالفته هذا القانون ، و ما انقطع عن زيارة مدينته الأصلية التي التقى فيها بزوجته “بيلا روزينفيلد ” في عام 1909، وعلى الرغم من ذلك فقد ظل يعيش في هذه المدينة حتى عام 1910.

إذ إنتظرت منه الجماهير أن يعبر عن الثورة في أعماله إلا إنه حافظ على شخصيته ومواضيعه التي رفعته عاليا لما لأعماله من قيمة فنية عالية أيضا و أصبح واحدًا من أبرز فناني الاتحاد السوفيتي ورائدًا من رواد مذاهب الحداثة.

لم يصمد طويلا فقد “كان يُنظر إليه على أنه شخص نكرة لأنه يهودي ورسام لا تمجد أعماله بطولات الشعب السوفيتي” بعد أن ذاع صيته في مدينة “سانت بيترسبيرج” ، فغادر المدينة ليستقر في باريس و يكون قريبًا من المجتمع الفني الآخذ في الازدهار في “مونبارناس”، حيث كــَوَّن هناك العديد من الصداقات مع رواد الفن ومنهم “جيوم أبولينيير “و “روبرت ديلوني” و “فيرناند ليجيه” و حصل فيها على الجنسية الفرنسية في العام 1937.

أعماله

يقرأ المتلقي في أعماله الخرافة والحلم وحكايات الجدة الخيالية بمتعة وجاذبية تبقيه أسير اللوحة تشده إلى تفاصيلها الكثيرة والمتشابكة في حبكة فنان ماهر تغلب عليها البساطة رغم كل ما فيها من أسرار.

وما يميز لوحات هذا الفنان العبقري تلك المسحة السيريالية – الرمزية التي تخاطب اللاوعي، وميله إلى اللمسات الشاعرية التي لا تخلو من غرابة مدهشة وساحرة تستفز المشاعر لتقبلها دون تردد

ومن السهل التعرف على سمات عناصر أعماله الفنية من أشخاص وحيوانات وطيور وأزهار وغيرها التي تلفت النظر إلى جوانب الحياة الإيجابية والسلبية بعاطفة جذابة.

يقول بوتيرو: إن “شاجال” استاذ القرن العشرين ،لا يوجد فنان يستطيع أن ينكر أنه قد أثر فيه ولو عن طريق الحلم ولا ناقد فني أن ينكر فضله على تاريخ الفن التشكيلي الحديث.

هو فنان حريص على تغيير أسلوبه مع مرور الوقت، الأمر الذي أعانه على ابتكار لغة جديدة من الأشكال المشوّهة والألوان الغنية والاستعارات الشاعرية التي طوعها لتصوير العالم من حوله ببساطة حالمة وبكثير من الحنين والشغف والبراءة.

ويعد الفنان التشكيلي الوحيد الذي غذى التيارات المدرسية للفن التشكيلي في القرن العشرين و مارس الفن بكل مدارس القرن العشرين من السيريالية والتكعيبية والتجريدية ، بل كان من أهم مطوري الفكر التشكيلي في هذه المدارس الحديثة.

ولعل من أشهر أعماله تلك الأعمال الثلاثة التي تزين سقف دار الأوبرا في باريس،وردهة أوبرا المتروبوليتان في مدينة نيويورك،بالإضافة إلى رسومات لأعمال أدبية كلاسيكية كثيرة.

في أعمال مارك شاجال..مسحة روحية شفافة لابد معها أن نتذكر أعمال الفنان المصري “حامد ندا” إذ أن هناك رابط خفي يلتقي فيه أسلوبيهما رغم إختلاف المنبع الذي يستقي منه كل منهما وروحانية عقيدة كل منهما ،فبساطة الشكل هي ميزة مشتركة كما هو عمق التعامل مع بساطة الفكرة التي يستمد كل منهما أشكال شخوصه وعناصره فبينما “شجال” يستقي من روح عقيدته اليهودية نجد “نــدا” يستقي من روح الشرق والفلكلور المصري ما نفض الغبار عن كل بال وهو يبعث في عناصر التراث روحا حديثة مثيرة تمس شغاف الروح الباحثة عن الجمال بشكله الجديد.

وهذا الرابط بين أعمال كل من الفنانين لا يقلل من قيمة أيهما ولا يمكن للمتلقي أن يفضل واحدا على الآخر لأن لكل منهما روح مخالفة رغم أنهما من نفس المدرسة السيريالية التي هي فروع ومذاهب متعددة يصنعها كل فنان بطريقته التي توائم شخصيته الفنية.
يقول حامد ندا:”جميع الأعمال الفنية لا تخلو من السيريالية “،ربما يفسر هذا معنى الكثير من الرموز والتفاصيل في أعماله التي تتسم بالبساطة في الشكل والعمق في الفكرة.

وتتميز أعمال “شاجال” أيضا بشاعرية تستوقف المتلقي بذهول من بساطة عناصرها وترددها بالعفوية التي لا يمكن أن تفلت من السيطرة وهذه ميزة عباقرة الفن أنهم الأقدر على تطويع ما نتداوله من عناصر دون أن نعرف سر توظيفه بالشكل الفني الراقي ويضعون بين أيدينا وأمام أعيننا مالا يمكن لأحد غيرهم أن يكتشفه .

هذه إحدى أسرار أعمال هذا الفنان العبقري الذي لا يمكن أن يـُذكر “بابللوبيكاسو” أو “جورج براك” أو”سيلفادور دالي” وغيرهم دون أن يتصدر قائمة الفنانين الذي صاغوا لغة الفن التشكيلي في العصر الحديث وفتحوا أبوابا أمام الأجيال القادمة ليضفوا على الحياة المزيد من الجمال.


الوان عربية تأسست في 2009