أحدث الأخبار

ضحايا حرب اليمن تطارد الأمير بن سلمان في كل مفاصل زيارته الملكية لبريطانيا

+ = -

تعيش مدينة لندن هذه الأيام مهرجانا سياسيا غير مسبوق تتصادم فيه كل الألوان السياسية، والسبب زيارة ولي العهد السعودي التي بدأت اليوم الأربعاء، وتستمر لثلاثة أيام، ستكون حافلة باللقاءات والمباحثات والجدل في الوقت نفسه.

حافلات ضخمة، وسيارات تاكسي سوداء، تجوب الشوارع تحمل صور ولي العهد الشاب، ولافتات على جوانبها تقول “مرحبا بك يا ولي العهد السعودي في لندن”، وأخرى تقول “اهلا بالرجل الذي يأتي بالتغيير الى السعودية”، في المقابل هناك شاحنة يتيمة تدور في ميدان امام البرلمان تحمل لافتة ضخمة تقول “ولي العهد السعودي مجرم حرب”، مما يؤكد ان الحرب الدعائية قد تكون جرى حسمها لمن يملك مالا اكثر.

انها “زيارة دولة” فالامير بن سلمان يحظى باستقبال كبار الملوك، وليس استقبال اولياء العهود، او الرؤساء ونوابهم في الدول الغنية والفقيرة على حد سواء، وحتى ملوك السعودية الذين زاروا العاصمة البريطانية في السابق، مثل الملك فهد بن عبد العزيز، او خلفه وشقيقه الملك عبد الله، لم يحظوا بمثل هذا الاستقبال، وهذا الاهتمان السياسي والاقتصادي الذي يرافقه، نقولها نحن الذين نعيش في بريطانيا منذ 40 عاما.

لابراز حجم الحفاوة المبالغ فيه، بدأ الأمير الزائر زيارته بغداء على مائدة الملكة اليزابيث الثانية، وانطلق بعدها للاجتماع بالسيدة تيريزا ماي، رئيسة الوزراء في مقرها لبحث القضايا السياسية والاقتصادية، وسيكون الختام حفل عشاء سيقيمه الأمير تشارلز، ولي العهد البريطاني في قصره بحضور نجله ويليم ملك بريطانيا القادم.

الحرب في اليمن، واعمال القتل التي يرتكبها التحالف العربي بقيادة السعودية، كانت المهيمن والمنغص لهذه الزيارة، وكانت صور الدمار والأطفال القتلى تطارد الأمير الزائر في كل مكان يحل فيه، في اطار حملة مسبقة نظمها المعارضون للزيارة وللمملكة، تقف خلفها حكومات ومنظمات.

جميع المنظمات الخيرية والإنسانية توحدت في حملة مظاهرات للتنديد بها والضيف والمضيف في الوقت نفسه، فمنظمة “وقف الحرب” التي ذاع صيتها أيام الحرب على العراق نظمت مظاهرة ضخمة امام مقر مجلس الوزراء حيث يجري ولي العهد السعودي مباحثاته الرسمية مع السيدة ماي، ورفعت صور الضحايا في اليمن، ومنظمة “انقذوا الأطفال” رفعت تمثالا لطفل يمني يرفع عينيه الى السماء، اثناء مظاهرة لها امام البرلمان، للفت الانتباه الى ضحايا غارات الطائرات السعودية والاماراتية.

السيدة ايميلي تورنبري، وزيرة خارجية الظل في بريطانيا قالت في حديث لمحطة “بي بي سي” ان الطائرات السعودية تشن غارات على اليمن كل 93 دقيقة، وان طفلا يمنيا يموت كل 10 دقائق، وعبرت عن شكوكها في إصلاحات الأمير بن سلمان، اما رئيسها جيرمي كوربن، زعيم حزب العمل، فقد طالب حكومة بلاده بوقف بيع الأسلحة الى السعودية احتجاجا.

اثر محدود سيكون لجميع هذه الاحتجاجات لان حكومة المحافظين بزعامة السيدة ماي لن تعيرها الكثير من الانتباه، وستمضي قدما في استغلال هذه الزيارة الملكية من قبل ولي عهد الدولة الاغنى في الشرق الأوسط للحصول على اكبر قدر من المليارات والمشاريع الاقتصادية، ولهذا وصف بوريس جونسون، وزير خارجيتها، ولي العهد السعودي بأنه رجل التسامح والتغيير، وقال ان زيارته ستنقل العلاقات الى مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، ونحن نتفهم حق السعودية في الدفاع عن نفسها.

تصريحات الوزير جونسون هذه تشير الى تأسيس “مجلس الشراكة الاستراتيجية السعودي البريطاني الذي جرى الاتفاق على تأسيسه لبحث القضايا الدولية والاقتصادية، وهو مجلس سيجري تعزيزه برصد مبلغ 100 مليار دولار جنيه إسترليني على شكل استثمارات سعودية في بريطانيا على مدى عشر سنوات.

المتحدثون باسم السيدة ماي يقولون انها ستبحث مع الضيف السعودي ملف حقوق الانسان في اليمن، وستمارس ضغوطا لتخفيف معاناة اليمنيين والحصار المفروض عليهم، ولكن هذا الكلام مجرد ذر الرماد في العيون، فرئيسة وزراء بريطانيا تقدم المصالح التجارية على مباديء حقوق الانسان، خاصة في هذا الظرف الذي تبحث فيه عن أسواق خارجية تعوض خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي العام المقبل، حيث تذهب الى دوله نصف الصادرات البريطانية.

بريطانيا لن تتخذ مواقف جدية مثل نظيرتها الألمانية وتوقف بيع صفقات أسلحة وذخائر الى السعودية احتجاجا على قصف اليمن، كما انها لن تستمع الى مطالب رئيس المعارضة جيرمي كوربن في هذا الخصوص، فالمهم هو المال والصفقات التجارية وخلق وظائف للعاطلين عن العمل في بريطانيا، ولعل بيان المجلس الإسلامي في بريطانيا الذي طالب رئيسية وزراء بلاده “بعدم الانشغال بالإصلاحات “المصطنعة” و”الشكلية” التي تشكل قناعا يخفي غياب الديمقراطية واعتقال النشطاء في السعودية” يلخص المزاج الآخر في بريطانيا، وهو الغالب تجاه هذه الزيارة.

الأمير محمد بن سلمان ادخل إصلاحات اجتماعية واقتصادية جريئة وغير مسبوقة ولافتة للنظر، وستدخل بلاده عصر الحداثة دون ادنى شك، ولكنها تظل “وقتية” وان ارضت الشباب السعودي الذي يشكل 70 بالمئة من عدد السكان لان بعضها تصدى للفساد على مستوى القمة، وما لم تتوازى هذه الإصلاحات بأخرى سياسية سيتبخر معظم اثرها لان هؤلاء الشباب، وغيرهم، لن يكتفوا بالترفيه والاختلاط، ورفع الكثير من القيود الدينية المتزمتة، وسيطالبون بالمشاركة السياسية والمزيد من حقوق الانسان والشفافية لاحقا.

الأمير بن سلمان وصف خطواته التغييرية هذه باتباعه نظيرة “الصدمة” لهز مجتمع تقليدي متكلس، يعيش في عصر آخر، وهو محق في هذا التوصيف، ولكن المشكلة ان اثر الصدمات يظل قصير العمر وسرعان ما يتبخر اذا لم يتوازى بإجراءات إصلاحية شاملة تحافظ على ما تم إنجازه أولا، وتؤسس لدولة مؤسسات عصرية حديثة.

لا شك ان الأمير بن سلمان القى بصخرة كبيرة في بركة اسنة وراكدة، أحدثت ارتدادات كثيرة، ولكن القاء الحجارة والصخور وحده لا يكفي، ولا نعتقد انه لا يعرف، ومستشاروه أيضا هذه الحقيقة، وهو على أي حال ما زال في بداية الطريق.

المهرجان اللندني سيختفي بمجرد انتهاء الزيارة، وستعود الشاحنات ولافتاتها وصورها الى مخازنها، وستطير الطيور بأرزاقها، لكن الواقع الذي تعيشه المملكة، والتحديات التي تواجهها، بأشكالها كافة، ستستمر، وابرزها كابوس حرب اليمن الذي يبدو لا نهاية له، ومفتوحا على جميع الاحتمالات.

“راي اليوم”

الوسم


التعليقات مغلقة.
اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°