كلمات من دفتر الاحوال…( 10)/ كاظم الموسوي

أضيف بتاريخ: 31 - 01 - 2018 | أضيف بواسطة: admin | أضيف في: الوان ثقافية

كاظم الموسوي

تبتعد السنوات فتنأى الأحداث وتفاصيلها وتبهت صورها في الذاكرة وتصبح من الذكريات البعيدة في المخيلة المهاجرة والمغتربة بعد كل تلك السنوات. ولكن وقد يكون للغرابة أن ثمة ذكريات تظل حيّة وكأنها حدثت يوم امس. وهكذا هي دورة الزمن والحياة. رغم ذلك ثمة محطات تركت أثرا لها أو بصمات مميزة كوشم في الوجه. او ثمة استعادات لأمور تتجدد اذا ما ذكرك بها أحد مشارك فيها أو مطلع عليها أو صورة فوتوغرافية أو ورقة مدونة عنها، بمعنى احياء لامر مرت عليه عجلة الزمن وطواه ما هو اكبر منه أو اهم.

بغداد عاصمة الثقافة والسياسة العربية ومتابعة التطورات الدراماتيكية في الاقليم والعالم تحفل بكثير من الفعاليات والنشاطات التي قد تسجل باسمها فقط. فبعد زيارة الرئيس المصري انور السادات لفلسطين المحتلة وخطابه المشؤوم فيها، توترت العلاقات العربية وقادت بغداد الحملة عليه وأسهمت في نقل مقر الجامعة العربية من القاهرة إلى تونس، لاول مرة في تاريخها. ودعت مدعيا عاما معارضا مصريا الى بغداد وعقدت محاكمة للسادات. وصلت الى الجريدة دعوة حضور المحكمة، فقرر رئيس التحرير الرفيق عبد الرزاق الصافي المشاركة بنفسه واقترح ان اذهب معه. وحين وصلنا البناية رحب بنا زميل صحفي، رئيس تحرير صحيفة العراق الرسمية، وارادنا أن نجلس في المقدمة، الا أن الرفيق الصافي أشار إلى جانب من القاعة واخترنا وسطه وجلسنا نراقب ونتابع خطوات المحكمة والمحاكمة، وكان القاضي والمدعي العام بزبهما الرسمي، ويتوسط القاعة قفص المتهم، وتمت المسرحية باتقان، لساعة ونصف من الزمن، نودي على المتهم وقرا المدعي العام قرار الاتهام وطالب المحكمة بانزال اقصى العقوبات.

في اليوم التالي أفردت الصحيفة المذكورة صفحتين للمحكمة وكانت لنا صور متعددة بين ثناياها، بلقطات من زوايا متعددة. حين كنت في معهد العلوم الاجتماعية بموسكو وجدت أعدادا كاملة للصحيفة مجلدة، في مكتبته، الا العدد الذي احتوى صورنا والمحاكمة. وكأنه أمر مقصود او قدر معهود.

عقد العديد من المؤتمرات الدولية، (مطلع السبعينات من القرن الماضي) سياسية وثقافية واعلامية، وكانت الوفود المشاركة من أغلب بلدان العالم، ولا ادري الان كيف التقيت، أثناء اللقاءات المفتوحة في بهو فندق بغداد، بالوفد الهندي المكون من ثلاثة زملاء، وتبادلنا أحاديث عامة عن مهنة الصحافة ومصاعبها، ولما عرفت انهم من اليسار الهندي، دعوتهم لزيارة الجريدة للتعرف على احوالنا في العراق والسماع لتجربتهم، سرا طبعا، ومن ثم نقلتهم الى مقر اللجنة المركزية للحزب في الكرادة، ومن حسن الصدف، كان الرفيق ماجد عبد الرضا خفرا ذلك اليوم، واستطاع التحدث معهم مباشرة عن نضال الحزب والتجربة الجبهوية، بعد أن فتح راديو عند الشباك بصوت معتدل للتشويش على من يراقب ويسجل ما يجري في القاعات. (وهذه عملية مستمرة في كل اللقاءات في المقر!) وتمكنا من انجاز اللقاء والحوار معهم وكانت الزيارة سرية ايضا. حيث رغم التحالف والجبهة لا يُرغب بمثل هذا النشاط الخاص دون علم أو طلب، وربما يرفض مثل هكذا مقترحات وتحركات او في احسن الاحوال ارسال رجال أمن مع الوفود، وفي كل الأحوال ليست بصالحنا اي من هذه النتائج او التوقعات.

مؤتمر اخر في بغداد، حضرته وفود كبيرة من مختلف الأقطار العربية. وكان الأبرز فيها وفدي جمهورية مصر العربية، وفلسطين. والتقيت بعدد من اعضائهما، ( من بينهم؛ الأدباء والكتاب الاساتذة: صلاح عيسى ورجاء النقاش وأمينة السعيد وآخرون..) وافقوا على إقتراح لي، فذهبنا الى قاعة الشعب بباب المعظم، كانت فرقة ناس الغيوان المغربية مدعوة فيها، وعشنا أمسية مغاربية جميلة. لاول مرة اسمع الغناء المغربي والطرب على انغام الموسيقى الشعبية التي كنا نقرأ عنها، واليوم استمعنا لها مباشرة ومن الفرقة الأكثر شهرة حينها عندنا، في المشرق.. ومن الطبيعي التحدث مع كل من نلتقيه عن أوضاعنا وعملنا الإعلامي والحزبي وظروفنا في تلك الأيام. اذ لا يتوفر للضيوف الاطلاع على كل ما يجري، وربما على جانب واحد منه، بحكم الواقع الرسمي او هي هكذا طبيعة الأوضاع والحكم رغم التحالف الجبهوي والعلنية السياسية ووجود مقرات المنظمات الحزبية، والصحيفة اليومية “طريق الشعب” والأسبوعية “الفكر الجديد” والمجلة النظرية الشهرية ” الثقافة الجديدة”.

تلقينا في يوم اخر دعوة الى نادي الصيد في المنصور، لمشاهدة لعبة من سباق الخيل وبعدها وليمة غداء خاصة. وفي مدرجات محددة جلسنا متقاربين، سمعت من الاديب الروائي رشاد ابو شاور كلمات غضب وبصوت عال، فاستفسرت منه، واذا به يقول ايضا بصوت عال، هذا القاتل دمر مخيمنا بالدبابات. وسألته من هو؟!، أشار إلى ضيف في الصف الأول مع المسؤولين الرسميين العراقيين، واعدت السؤال لاني لم اعرفه، فقالها ايضا بصوت عال مرتفع، ويتطاير الشرر من عينيه الجاحظتين: هذا القاتل… وردد اسمه، رئيس سورية السابق واللاجيء في العراق الان. فسمعت احد الإخوة الذين معنا يقول له انت ضيف يا رفيق ايضا فلا تخلق مشكلة لك وهنا لا تنفع حالات الغضب، فلربما تنال ما لا يرضيك ولا نستطيع أن نفعل شيئا لك، كما تعرف أمرنا. ألا يكفيه أنه لاجيء هو الاخر، كما تراه هنا اليوم؟!. وهذه مشكلة مركبة، قتلة ومجرمون هناك وضيوف معززون هنا، مشهد كوميدي او لا يمكن تخيله طبيعيا. لكنه يحدث في الوطن عربي. رسميا لا قيمة فيه للشعوب والجماهير والنضال التحرري الحقيقي. انفصام مرضي حاد… تمتع يا عزيزي بالمشاهدة وبالغداء بعدها ولا يصح الا الصحيح.. ألا ترى تغيّر الاحوال.. وما دامت لحدا..

كانت ظروف العمل السياسي متاحة لنشاطات سياسية او إعلامية واسعة، اذا وافق الحزب الحاكم عليها. ضمن إطار العلاقات والانفتاح، ففتحت أغلب منظمات حركات التحرر الوطني العربية مقرات لها، وأبرزها المنظمات الفلسطينية، باغلب او ابرز فصائلها، إضافة لمقرات الاتحادات المتفرعة منها. وكانت لجنة العلاقات العربية في الحزب الشيوعي على اتصال باغلبها، بحكم الروابط الفكرية والعلاقات الشخصية. تتبادل الاتصالات والمطبوعات والزيارات والاستشارات في الفعاليات والاعمال الكفاحية المشتركة.

وفي قاعة الاتحاد العام لطلبة فلسطين في الوزيرية، او قاعة المركز الثقافي البريطاني القريب منها، جرت لقاءات موسعة مع قيادات النضال الفلسطيني الذين زاروا بغداد في تلك الأيام. اتذكر الساعات الطويلة مع خطب ابو عمار والحكيم وابوالنوف وأبو جهاد وأبو اياد وأبو صالح واخرين، والنقاشات الاطول بعدها.. وصباح احد الايام افقنا لنر على بوابات الكليات في الوزيرية وأعمدة شارع الرشيد وواجهات في شارع السعدون والساحات بينها، اعلانا ملونا بلا كلمات، فقط كلمة؛ قريبا، وهو بوستر مكون من دوائر متوالية، الأكبر الى الاصغر، ملونة وسهم يخترقها نحو مركزها. وبعد أشهر عرفنا انه اعلان عن قرب صدور مجلة “الهدف” الفلسطينية، الناطقة باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وبرئاسة تحرير الكاتب والمناضل المعروف غسان كنفاني. وأصبح أغلب القيادات الطلابية او الذين درسوا في العراق في تلك الفترة قيادات بارزة في تنظيماتهم السياسية، في مكاتبها السياسية أو واجهاتها العلنية والإعلامية. (أمثلة: عزام الاحمد، ماهر الطاهر، حسن عصفور، سلامة كيله…) وكذا حصل في منظمات حركات التحرر الوطني الشقيقة، خاصة الخليجية والارتيرية ومعارضات بعض البلدان العربية التي تتعارض سياساتها مع الحكم في العراق.

كما كانت لنا علاقات بالرفاق الحزبيين الوافدين من الأحزاب الشيوعية والعمالية الشقيقة ( المصري، السوداني، في السعودية، البحرين، ..) وكنا نلتقي في أماكن عامة تبتعد عن مسكنهم، كالمكتبات او كافتيريا الكليات، او أماكن بعيدة عنها كلها. وتتابع الجريدة اخبار الأحزاب والنشاطات باهتمام وتخصص احيانا لها صفحات من اعدادها، كجزء من التضامن الرفاقي والكفاح الوطني والقومي المشترك.

التقيت مراسل وسيلة إعلام فرنسية معروفة في بغداد في السبعينيات، في مقهى ريش في القاهرة، قدمه اصدقاء لي، وتذكرته من اسمه، حيث تغيرت ملامحه، ربما بحكم العمر، وذكرته بمعرفتي به قبل أكثر من ثلاثة عقود، تفاجأ وحين ذكرته باسماء أخرى اندهش كيف مرت السنوات، تناول قهوته على عجل وودعنا بدعوى موعد في مكان آخر ، وسألته ماذا يعمل الان في القاهرة وهل هو مستمر في عمله السابق، وهل يمكن أن نلتقي مرة اخرى؟، ترك الجواب للقاء ولكني غادرت المحروسة ولم اسمع منه شيئا. كان هذا الزميل معروفا بعلاقاته الواسعة، ولأنه غير عراقي كان يتحرك اكثر من الزملاء العراقيين في التغطيات الإعلامية والفاعليات السياسية خصوصا. ولكن لابد من القول عنه أن ثمة امورا مررها عبر عمله، وكانت تنفع للتعريف بما يحصل في العراق حينها.
———_______———-_________————-___________————–
للاطلاع على الحلقات الاخرى، تراجع المدونة على الرابط التالي:
http://kadhimmousawi.blogspot.com


الوان عربية تأسست في 2009